هل يمكن أن نتذكَّر أشياء غير حقيقية كلياً؟
هل يمكن أن نتذكَّر أشياء غير حقيقية كلياً؟

السبت | 07/01/2017 - 08:31 مساءً

غالباً ما نميل إلى الثقة في ذكرياتنا والتعامل معها على أنها حقائق مسلَّمة، بل إن الكثيرين  يحبون تعريف أنفسهم على أنهم صندوق ذكريات. ولكن التجارب تكشف أن بعض الذكريات ربما غير حقيقية، وأسباب ذلك قد تكون مرضية مثل مرض "اضطرابات ما بعد الصدمة"، أو قد تحدث لأشخاص طبيعيين بفعل عامل خارجي.

 

التلاعب بالتفاصيل

وتمت الإشارة إلى هذه الحالة لأول مرة من قبل عالمي النفس الشهيرين سيغموند فرويد وبيير جانيت، وتعرف هذه الحالة في شقها المرضي باسم "متلازمة الذكريات الكاذبة".

وعادة ما ترصد هذه الحالة لدى الأشخاص الذين يتعرضون لأنواع من الاضطرابات النفسية. ولكن البحوث أثبتت أن عالم الذكريات الكاذبة ليس مرتبطاً فقط بالمرضى، ولكنه يحدث أيضاً لدى الأشخاص الطبيعيين.

تخيل مثلاً أنك تسير في الشارع في مواجهة شخص ما رأيته بوضوح، ثم بعد أن مر الشخص بدأت في تذكر بعض الأمور عنه. تتذكّر أنه كان يحمل حقيبة ولكنك لست متأكداً بالتحديد من لون هذه الحقيبة، هل كانت حقيبته بنية اللون، أم أن سترته هي التي كانت بنية؟ ويبدأ ذهنك الآن في توليد البدائل ومزجها ببعضها البعض وتبدأ الأحداث في التشوه في ذاكرتك.

في العام 1974 أجرى لوفتس وبالمر تجربة مثيرة، إذ عرص الباحثان حادث اصطدام سيارتين على مجموعات منفصلة من المشاهدين، وطلبوا من كل مجموعة تقدير سرعة سير السيارتين قبل اصطدامهما. كان مربط الفرس في التجربة هو استخدام الباحثين لصيغ متفاوتة الحدة لوصف الحادث عند سؤال كل مجموعة.

على سبيل المثال، استخدمت صيغة "كم كانت سرعة السيارتين أثناء هذا الاصطدام" في مقابل صيغة "كم كانت سرعة السيارتين في هذا الحادث المروع" لمجموعة أخرى. ووجد الباحثان أن الناس كانوا يميلون إلى اختيار تقديرات كبيرة للسرعة كلما كان اللفظ المستخدم في توجيه التساؤل أكثر حدة.

وجه الباحثان سؤالاً آخر للمجموعات حول إذا ما كانوا قد رأوا الزجاج المتكسر لنوافذ السيارات، ومرة أخرى وجدوا أن المجموعات التي استخدمت معها ألفاظاً أكثر حدة كانت أكثر ميلاً لتأكيد أنها رأت تحطم الزجاج.

سأل الباحثان المجموعات أيضاً حول إذا ما كانوا قد رأوا "إشارة توقف" على الطريق. ولكنهم استخدموا لفظ "إشارة توقف" مع إحدى المجموعات ولفظ "إشارة التوقف" مع مجموعة أخرى. ووجدوا أن نسبة تذكر رؤية الإشارة زادت بشكل ملحوظ في المجموعة التي استخدمت معها صيغة التعريف "إشارة التوقف".

سلطت هذه التجربة الضوء حول مدى قدرة تغيير الألفاظ على التلاعب بتفاصيل ذكرياتنا. ولكن الأمر لا يقتصر على التفاصيل، الأمر الأكثر إثارة، فأذهاننا قادرة على اختزان ذكريات مختلقة ليس لها أي جذور في عالم الواقع.

 

قراصنة الذاكرة

في العام 1997 أجرى جيمس كون تجربة مع بعض أفراد عائلته، وأعد أربعة كتيبات تحتوي على ذكريات حقيقية تخص أفراد عائلته ووزعها عليهم. ضمن هذا الكتيب كانت هناك قصة واحدة مختلقة كلياً تتعلق بفقدان شقيقه في المول أثناء التسوق حين كان صبياً، ووجده أحد الرجال وأعاده إلى أسرته.

وطلب كون من كل من أفراد عائلته أن يحكي ما يذكره عن تفاصيل هذه الذكريات، الغريب في الأمر لم يكن عدم انتباه شقيقه إلى الحكاية المختلقة، فربما يكون ذلك عائداً للنسيان، ولكن الأخ أنتاج تفاصيل حسية كاملة حول حكاية اختطافه المختلقة، كما استدعى مشاعر متعلقة بالواقعة.

يمكن للذكريات الزائفة أن تتولد ببساطة من  أي شخص كصديق أو عن طريق أحد أفراد العائلة كما حدث في تجربة كون. هذا التلاعب يمكن أن يتشكل عمدياً إذاً، سواء كان بغرض العبث أو لخدمة أغراض بعينها، وغالباً ما يطلق الباحثون على هؤلاء قراصنة الذاكرة.

وتحكي جوليا شاو تجربتها كقرصان للذاكرة أنها استطاعت من خلال ثلاث مقابلات فقط إقناع بعض المشاركين بأنهم مروا بأحداث عاطفية لم تحدث لهم مطلقاً. ويحدث ذلك من خلال المزج بين المعلومات المضللة والخيال والتكرار. ووجدت شاو أنه يمكن خلق ذكريات كاذبة عند 75 بالمائة من البشر الذين يتعرضون لهذه المؤثرات، وإقناعهم بتقديم تفاصيل "متعددة الحواس" حول تجارب لم يمروا بها أصلاً.

العجيب أن هذا الأمر لم يكن مرتبطاً بأشخاص مصابين باضطرابات نفسية أو حتى أناس من ذوي الذكاء المنخفض، ولكن التجارب أثبتت أنه بالإمكان خلق ذكريات كاذبة حتى عند الأشخاص الأكثر ذكاء.

 

هل يمكن أن نثق في نظامنا المعرفي؟

هل ذكرياتنا حقاً هشة ويمكن التلاعب بها إلى هذه الدرجة؟ وإلى أي مدى يمثل تهديداً للعديد من النظم القائمة بالأساس على الثقة في قدراتنا المعرفية؟

إذا كان بالإمكان توليد ذكريات كاذبة من خلال لعبة بين الأصدقاء، فبالتأكيد أن احتمالية ذلك ترتفع خلال التقنيات المعززة التي تستخدم في العلاج النفسي أو الاستجواب الشرطي، وهو ما يفتح باباً كبيراً للتشكيك في مصداقية الشهادات التي تقدم إلى المحاكم وإمكانية التلاعب بها بشكل كلي أو حتى دفع البعض إلى الاعتراف بـجرائم لم يرتكبوها، أو دفعهم إلى اتهام أبرياء. حيث وثقت بالفعل العديد من الحالات.

في عام 1992، كان أحد ناصحي الكنيسة في ولاية ميسوري يساعد بيت روثرفورد على تذكر بعض الحوادث في حياتها. ومن ضمن تلك الحوادث أن والدها، رجل الدين، قام باغتصابها عدة مرات بمساعدة والدتها ومعالجها. نجحت روثرفورد في تذكر حادثتين اغتصبها والدها خلالهما حتى حملت منه، ثم اجبرت على الإجهاض.

وتسببت هذه الادعاءات في استقالة والدها رجل الدين من منصبه بعد أن تم تقديمها للجمهور. ولكن المفاجأة أن الفحص الطبي اللاحق للابنة كشف أنها لا تزال عذراء وأنها لم تحمل قط من قبل. رفعت الابنة دعوة قضائية ضد المعالج وتلقت تعويضاً قدره مليون دولار عام 1996.

قبل ذلك بثمانية أعوام، وتحديداً عام 1986، كانت نادين كول، مساعدة ممرضة في ولاية ويسكنونسن الأميركية، تتلقى علاجاً نفسياً نتيجة لصدمة أصابتها بعد حادث وقع لابنتها. وأثناء العلاج استخدم الطبيب التنويم المغناطيسي وبعض تقنيات العلاج الأخرى من أجل إخراج الذكريات المدفونة لسوء المعاملة التي زعمت نادين أنها تعرضت لها.

ولكن هذه الجلسات أخرجت ذكريات أخرى أكثر بشاعة بداية من انخراطها في طقوس عبادة شيطانية إلى أكل لحوم الأطفال والتعرض للاغتصاب، وحتى ممارسة الجنس مع الحيوانات. ولكن كول أدركت في النهاية أن جميع هذه الذكريات كانت كاذبة، ورفعت قضية على طبيبها سويت في النهاية خارج المحكمة مقابل تعويض بلغت قيمته 2.4 مليون دولار.

 

هل الأمر سيء حقاً؟

يبدو الأمر مرعباً بهذا الشكل، لكن العلماء يبحثون الآن إمكانية استخدام تقنيات قرصنة الذاكرة تلك في بعض التطبيقات العلاجية المفيدة مثل التلاعب بذاكرة مرضى السمنة المفرطة تجاه الأطعمة المحببة لديهم.

ففي بحث جديد موله صندوق "ويلكوم" ونشرته مجلة علم النفس المعرفي التطبيقية وصف علاج الذاكرة الكاذبة لألف شخص تقريباً من العامة في بريطانيا وأميركا، ودون معرفة هذا الشخص.

ويحاول المعالج زرع أحداث مفبركة حول الطفولة في ذاكرته، أو أحداث مصممة لتغيير علاقته غير الصحية مع الأطعمة الدسمة. الغريب أن الكثير ممن تعرضوا لهذا الأمر لم يكونوا قادرين على اكتشاف الحقيقة حتى بعد مرور أشهر من بدء هذا العلاج.

ولكن هناك أسئلة كثيرة تدور حول مدى أخلاقية استخدام مثل هذا العلاج الوهمي، مع إمكانية استخدامه لتحقيق أهداف لا تقتصر على التلاعب الفردي بذاكرتنا ولكن ربما بتلاعب جماعي.

المصدر: هافينغتون بوست عربي.



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أحدث الاخبار
استفتاء
هل تعتقد ان الحل لإنعدام النظافة في الطرقات يكمن في
0
0
0

ينتهي التصويت بتاريخ 14/07/2016

أوقات الصلاة
الفجر 04:49
الظهر 11:52
العصر 03:07
المغرب 05:34
العشاء 06:56