لماذا كان الناس في العصر الفيكتوري يلتقطون صورا لأحبائهم مباشرة بعد رحيلهم؟
لماذا كان الناس في العصر الفيكتوري يلتقطون صورا لأحبائهم مباشرة بعد رحيلهم؟

الأحد | 30/12/2018 - 09:28 صباحاً

في العصر الفيكتوري، وفي حقبة لم يكن فيها لمفهوم المضادات الحيوية وجود بعد؛ كانت نسبة وفيات الأطفال مرتفعة جدا، وكانت الحرب الأهلية في الولايات المتحدة الأمريكية متقدة وفي أوجها تحصد مئات الأرواح، فكان بذلك للموت حضور دائم في حياة الأفراد، وكان مرادفا لمعنى العيش في العصر الفيكتوري.

بطبيعة الحال، كان الناس يرغبون كثيرا في تخليد ذكريات موتاهم، وكانت من بين أكثر الوسائل شيوعا لفعل ذلك هو التقاط الصور، وذلك بعد وقت وجيز من اختراع الكيميائي الفرنسي (لويس داغر) طريقة التصوير الفوتوغرافي، التي عرفت بـ«الطريقة الداغيرية» أو التصوير الشمسي على الألواح الفضية.

تطورت فكرة التقاط الصور للأحباء بعد رحيلهم من رسم اللوحات الزيتية الشخصية، وهو نوع من الرسم الذي كان حكرا على العائلات الأوروبية الثرية، والأمريكية بعد ذلك، وكانت الطريقة الوحيدة في تخليد ذكرى أفراد العائلة خاصة الأطفال منهم من خلال رسمهم إلى جانب بعض الرموز والدلالات المرتبطة بالفناء على غرار: عصفور نفق، أو حبل مقطوع، أو أزهار متساقطة ومتناثرة، أو قبضة يد ترفع فيها ثلاثة أصابع كإشارة للثالوث، هذه الرموز والدلالات التي كانت في جميع الأحوال تشير إلى أن الشخص المصور في اللوحة كان مفارقا للحياة أثناء رسم اللوحة.

شاعت هذه الأنواع من الصور التي خلال القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وكانت عبارة عن وسائل يتذكر من خلالها الناس أحبائهم الذين فارقوهم منذ مدة.

بحلول أربعينيات القرن التاسع عشر، بدأت عملية إنتاج الصور التذكارية تنتقل من ورشة الرسام إلى ورشة المصور الفوتوغرافي، ومنه بدأ مفهومها يعم على كافة شرائح المجتمع ولم تعد بذلك حكرا على الأثرياء فقط، كما لم تعد العائلات الثرية هي الشريحة الوحيدة التي بإمكانها تحمل تكاليف صور تذكارية للموتى من أفرادها كذلك.

خلال فترة الخمسينات التي تلت ذلك؛ اتشرت محلات التصوير الفوتوغرافي في جميع أنحاء الولايات المتحدة بالأخص، وعرف تقليد التقاط صور تذكارية للأحباء الذين رحلوا انتشار واسعا وصل لذروته، وبينما كان رسم اللوحات يتطلب أموالا كثيرة، لم تكن عملية التقاط صورة تذكارية تكلف أكثر من مجرد بضعة سنتات.

صورة (هيرال) و(فيرول تروملي) اللذين توفيا في المنزل في (فريمونت تاونشيبب) في (ميتشيغان) بسبب التهاب الكلى واستسقاء الرئتين في شهر أكتوبر سنة 1900.
صورة (هيرال) و(فيرول تروملي) اللذان توفيا في المنزل في (فريمونت تاونشيبب) في (ميتشيغان) بسبب التهاب الكلى واستسقاء الرئتين في شهر أكتوبر سنة 1900.

بالنسبة لكل من عايش العصر الفيكتوري؛ كان التقاط صور الأشخاص بعد رحيلهم جانبا واحدا فقط من شعائر الحداد، حيث كانت هذه الشعائر تتضمن غالبا ارتداء الأسود من الثياب وتغطية أثاث المنزل بكل ما يمكن الحصول عليه من أغطية وأقمشة سوداء اللون، بالإضافة إلى القيام بتغسيل الجثة وملازمتها ومرافقتها إلى مكان الدفن.

كانت هذه الصور التي تلتقط تعرف في بادئ الأمر باسم «المرايا حاملة الذكريات»، وكان ينظر لهذه الطريقة على أنها حفظ لذكرى فرد من أفراد العائلة بعد رحيله، وكان يُحتفظ بالصور ويتم عرضها في المنازل ويبعث بها إلى الأصدقاء والأقارب، وكانت أيضا تلبس داخل القلائد أو حتى يحتفظ بها داخل المحافظ.

لم تكن علمية التصوير بالأمر السهل أو الهين، حيث تطلبت التعامل بعناية وحذر شديدين مع الجثة، واستعمال دعائم ومعدات تثبتها منتصبة، سواء كان ذلك في ورشة المصور الفوتوغرافي أم في منزل الشخص المتوفى، وعلى الرغم من كون معظم الذين يظهرون في صور «المرايا حاملة الذكريات» خاصتهم وهم في توابيتهم أو مستلقين في أسرّتهم، غير أن الأطفال كانوا غالبا ما يصوَّرون جالسين في أحضان أمهاتهم من أجل تثبيتهم بينما يلتقط لهم المصور الصور.

بقول التعليق على هذه اللوحة: ”من المفترض أن يكون هذا الموقع هو الأكثر راحة للحصول على صورة جميلة“. صورة: Theee Lions/Getty Images

كما كان البالغين كذلك يصوَّرون في بعض الأحيان وهم جالسون على كراسي، وأحيانا يحلمون كتبا أو بعض الأغراض الأخرى، وبعد الفراغ من جلسة التصوير؛ يذهب المصور إلى الإستوديو خاصته حيث يجري كذلك بعض التعديلات على شريط الصور قبل إخراجها، من أجل جعل النظرة على وجه الشخص الراحل أقل إثارة للرعب.

بالإمكان معرفة بعض الصعوبات التي يواجهها المصور الفوتوغرافي لدى قيامه بمهامه من خلال التقرير الذي كتبه المصور بطريقة التصوير الشمسي على الألواح الفضية (ألبرت ساوثوورث) في أحد أعداد مجلة «مصور فيلاديلفيا» Philadelphia Photographer الذي صدر في سنة 1873، حيث ورد فيه: ”إذا كان شخص ما قد وافته المنية، وخشي أصحابه أو بعض أفراد عائلته أن تخرج بعض السوائل من فمه خلال جلسة التصوير، بإمكان المصور هنا أن يميله جانبا قليلا وبحذر شديد كما لو كان بصدد التقيؤ، بغرض إفراغ أية سوائل عالقة في أحشائه، وهو الأمر الذي يستغرق أقل من دقيقة واحدة، ثم بإمكانه مسح الفم وتتنظيف الوجه، ثم التعامل معه تماما مثلما لو كان شخصا حيا ويتمتع بصحة جيدة“.

تحوم اليوم الكثير من الأساطير والمعلومات المغلوطة حول هذا التصوير في الحقبة الفيكتورية، التي أصبحت الكثير من مواقع الإنترنيت تعج بها، يقول (مايك زون)، وهو المؤسس الشريك لمتجر Obscura Oddities and Antiques للتحف القديمة وأحد جامعي هذه الصور منذ مدة طويلة، يقول بأن واحدة من أكثر المعلومات المغلوطة التي ترتبط بالموضوع هي أنه يجب إبراز الأشخاص في هذه الصور على أنهم أحياء، وأن المصور وعائلة المتوفي يبذلون قصارى جهدهم من أجل أن يبدو الشخص كما لو كان حيا وبصحة جيدة. يقول (زون) بأن هذا أمر خاطئ طبعا، ذلك أن الأشخاص في تلك الحقبة لم يكونوا يواجهون أية مشكلة في إظهار أحبائهم على أنهم مفارقين للحياة في الصور، فهم لم يكونوا يحاولون أبدا إظهارهم بمظهر الأحياء، وتلك أسطورة متداولة حديثا.

التقطت الصورة على اليمين في (فيلادلفيا) سنة 1848، والصورة على اليسار سنة 1905.

كما علق (زون) على واقع كون مواقع على غرار (ريديت) مليئة بصور التقطت لأشخاص بينما كانوا أحياء، ويتم الترويج لها على أنها عكس ذلك، وهذا أمر مريب وخاطئ جدا، كما قال كذلك بأن تلك الصور، بالإضافة إلى كونها مزيفة، فهي دائما ما يرافقها نوع من التعليقات الزائفة والمضللة التي تحاول شرح الوسائل التي كانت تعتمد آنذاك من أجل الإبقاء على الجسم منتصب، وكذا من أجل جعلها تبدو حية، فيقول: ”لم يستخدم الناس في العصر الفيكتوري كذلك أية خيوط، أو أسلاك، أو أي غرض آخر لتثبيت الأشخاص في الصور“، ويضيف: ”هم لم يكونوا عبارة عن دمى بشرية يتم العبث بها بواسطة خيوط، فقد كانوا أناسا محترمين توفوا في مجتمع محترم جدا يحترمهم ويوفيهم حقهم ويعاملهم بكرامة بالغة“.

وكتب (ستانلي بورنز)، وهو باحث وجامع صور ومؤلف كتاب «الحسناء النائمة 2: الحزن والفاجعة والعائلة في التصوير المخلد للذكريات، تقاليد أمريكية وأوروبية» الذي يعنى بتاريخ تصوير الأشخاص بعد رحيلهم، أن بعضا من المشاكل التي تتسبب في الارتباك وتجعل من تفريق هذه الصور وصور الأحياء أمرا صعبا هو أن الموتى في القرن التاسع عشر كانوا يبدون غالبا أفضل مما يبدو عليه الموتى في يومنا هذا، ففي أيامنا هذه أصبح بمقدورنا تمديد فترة الحياة المحتملة للأشخاص بواسطة إجراءات كثيرة لم تكن متاحة للأشخاص آنذاك، فالأمراض التي كانت تفتك بالناس آنذاك كانت تأخذهم بسرعة وهم لا يزالون يبدون في ريعان شبابهم وبأفضل صحة، ما عدا الأطفال الذين كانوا يموتون غالبا بسبب الجفاف جراء التعرض لفيروسات كانت تترك لديهم تهيجات على مستوى البشرة، أو البالغون الذين قضوا بسبب السرطان أو الشيخوخة، ودون هذا كان الموتى في العصر الفيكتوري يبدون حقا بصحة جيدة.

ويقف (زون) موقف معارض بشكل خاص ضد فكرة أن الناس في العصر الفيكتوري استعملوا دعامات تثبيت من أجل جعل الجثث منتصبة لدى تصويرها، فقال: ”تشبه الدعامات المثبتة في ورشات التصوير آنذاك في تصميمها ومتانتها دعامات المايكروفونات حاليا، ومن المستحيل أن تتمكن بمعاييرها تلك من تثبيت جسم شخص يترنح“، ويضيف: ”إن حدث ورأيت صورة لشخص مثبت بإحدى هذه الدعائم، فتلك دلالة دامغة على أن الشخص حي“.

يتوافق (جاك مورد)، وهو أحد جامعي الصور العتيقة وباحث في مواضيع العصر الفيكتووي، يتوافق مع (زون) في رأيه هذا بخصوص دعامات التثبيت، فيقول: ”يرى الناس قاعدة هذه الدعامات في الصور ويفترضون مباشرة بأنها هناك من أجل تثبيت جثة الشخص والمحافظة عليها منتصبة خلال جلسة التصوير.. لكن الأمر لم يكن أبدا على هذا النحو“، ويضيف: ”إذا رأيت قاعدة دعامة مثبِّتة في إحدى الصور، فتلك علامة مباشرة على أن الشخص في الصورة كان حيا لدى التقاطها له“.

كما نوه كل من (زون) و(مورد) إلى أن الناس لديهم أفكار خاطئة ومغلوطة بخصوص تكلفة الصور في تلك الحقبة، حيث كانوا غالبا يظنون أنها كانت مكلفة جدا وأن الشخص الفيكتوري كان بإمكانه تحمل تكاليف صورة واحدة طوال عمره، وهي الصورة التي يوفرها إلى ما بعد رحليه، فيقول (زون) في ذلك: ”لو كنت معاصرا للحقبة الفيكتورية، لوجدت أنه من السهل جدا أن تلتقط لنفسك صورة فوتوغرافية مقابل مبلغ زهيد لا يتعدى الخمس سنتات، وفي بعض الأحيان كان ليكون أقل من ذلك؛ وقد كانت هذه التكلفة متاحة للجميع ما عدا من كان يعيش في فقر مدقع“.

قد يكون صحيحا أن التقاط الصور الفوتوغرافية كان مكلفا جدا لدى ظهورها أول مرة على غرار طريقة التصوير الشمسي على ألواح الفضة، لكنها سرعان ما شاعت وأصبحت متوفرة بكثرة ومنه أصبحت تكلفتها في متناول الجميع.

صورة السيدة (كونانت) بعد موتها
مكتوب خلف هذه الصورة: ”السيدة (كونانت) بعد رحيلها“.

تقترح بعض الكتب الرائجة أنه من بين الطرائق المتاحة لمعرفة ما إذا كان الشخص في الصورة مفارقا للحياة أثناء التقاطها له أم لا هي بتفحص اليدين، ملّمحة إلى أن أي انتفاخ أو تغير في لون البشرة قد يكون دليلا على أن الشخص مفارق للحياة بالفعل، لكن (زون) يقول أنه من السهل إساءة فهم هذا الجانب: ”لقد رأيت الكثير من الصور لأشخاص مفارقين للحياة حقا لكن لون بشرة أيديهم كانت فاتحة، كما كنت قد رأيت الكثير من صور أشخاص أحياء جدا غير أن لون بشرة أياديهم كان قاتما جدا، وهو الأمر الذي يحدث غالبا بسبب الإضاءة والتعرض للمؤثرات الخارجية“، ويتابع (زون) بأن طريقة أفضل للتمييز بين هذه الصور هي عبر ملاحظة الرموز التي تحملها على غرار الورود المتناثرة، والأيادي المثنية، والأعين المغلقة، ويقول كذلك بأن صورة شخص بالغ مستلقي على السرير غير مرتد لحذائه قد تكون كذلك إشارة قوية على أنه كان شخصا مفارقا للحياة لدى التقاطها، ذلك أنه من الصعب جدا جعل جثة ترتدي حذاءً، وبالطبع إن كان الشخص في الصورة مستلقيا داخل تابوت فهنا الاحتمال يصبح شبه مؤكد أنه مفارق للحياة.

انتهت هذه الممارسة بشكل أو بآخر بحلول ثلاثينات القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بتغير عادات المجتمع وعزوفه عن فترات الحداد المطولة، كما أن الموت أصبح يعامل على أنه مشكلة طبية وبدأت بذلك وفيات الأطفال تأخذ في الانخفاض بفضل التقدم الحاصل في الطب –باعتبار أن الأطفال كانوا يمثلون السواد الأعظم الذين تلتقط لهم تلك الصور–، لكنها لم تختفي بشكل نهائي، ذلك أنها ما زالت تمارس في الكثير من بقاع العالم الأخرى إلى يومنا هذا.

يعتبر اليوم الكثير من الناس أن صورا لأحبتهم وهم مفارقين الحياة هي آخر شيء قد يرغبون في الاحتفاظ به أو أن يتذكروهم به، كما أنها تصعب كثيرا نسيان الشخص وإخراجه من الأذهان، لكن بالنسبة لمن عاشوا في الحقبة الفيكتورية، لم يكن هذا أمرا غريبا، بل كان حدثا عاديا جدا دائم الحضور في حياة الجميع، وينوه (بورنز) أن المصور الفوتوغرافي كان يؤدي عمله بنفس الذهنية والراحة التي قد يصور بها أحدهم اليوم حفلة تخرج أو حفل زفاف، أي أنه كان شيئا عاديا جداً.

صورة ملتقطة بواسطة طريقة التصوير الشمسي على الألواح الفضية سنة 1845.
صورة ملتقطة بواسطة طريقة التصوير الشمسي على الألواح الفضية سنة 1845.
صورة ملتقطة بواسطة طريقة التصوير الشمسي على الألواح الفضية سنة 1845.
صورة ملتقطة بواسطة طريقة التصوير الشمسي على الألواح الفضية سنة 1845.
صورة لـ(ماي سيندر) والدة (إيستال سيندر)، سنة 1898. بإمكانك ملاحظة انعكاس المصور على المرآة

صورة لـ(ماي سيندر) والدة (إيستال سيندر)، سنة 1898. بإمكانك ملاحظة انعكاس المصور على المرآة.



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أحدث الاخبار
أوقات الصلاة
الفجر 05:14
الظهر 11:49
العصر 02:39
المغرب 04:58
العشاء 06:24