تاريخ موجز للاستحمام عبر العصور
تاريخ موجز للاستحمام عبر العصور

الأحد | 07/04/2019 - 11:15 صباحاً

منذ فجر التاريخ، مثّلت النظافة الشخصية جزءًا لا يتجزأ من نمو الشخص واعتنائه بنفسه، وسرعان ما زادت الحاجة إلى تنظيف النفس بشكل فعال وسريع، وأصبح الناس يفكرون في وسائل وطرائق تمكنهم من الاستحمام وتنظيف أنفسهم بسرعة وفعالية، وذلك منذ الأزمنة القديمة مثلما هو الحال عليه اليوم.

 

لطالما اعتبر الانسان الاستحمام في حوض أمراً معقداً، لذا كان كل من استطاع يستحم تحت الشلالات، التي تعتبر أول دشٍّ (أو مشنّ) يستعمله الإنسان.

يعود تاريخ أول الأدشاش المبتكرة من طرف الإنسان التي تمنحه خصوصية الاستحمام في حرم منزله إلى فجر الحضارتين المصرية القديمة، وحضارة ما بين النهرين. وكانت أنماط الاستحمام هذه بالأخص حكرصا على الأثرياء فقط لأنها كانت تتطلب وجود شخص بشكل دائم هناك —عبيداً في معظم الحالات— من أجل سكب المياه من جرار على رؤوس وأجسام المستحمين.

توجد هناك عدة رسومات جدارية في معابد ومباني تظهر كيف كان الخدم والعبيد يساعدون الملكات المصريات القديمات وأفراد العائلة الملكية في الاستحمام.

أظهر كذلك التنقيب عن منازل الأثرياء في طيبة، وقرية اللاهون والعمارنة وجود حجرات استحمام ضمنها كانت مجهزة بأرضيات ذات انحدار طفيف من أجل تسهيل التخلص من مياه الاستحمام.

منحوتة من القرن التاسع عشر أعيد نسخها عن جدارية مصرية تبرز امرأة مصرية تستحم بمساعدة من خادماتها الإناث في طيبا، مصر.

منحوتة من القرن التاسع عشر أعيد نسخها عن جدارية مصرية تبرز امرأة مصرية تستحم بمساعدة من خادماتها الإناث في طيبا، مصر.

كان الإغريق القدماء يبنون حمامات وأدشاشٍ داخل مباني الجيمنازيوم —قاعة الرياضات— خاصتهم، والتي كانوا يجهزونها بتقنيات متقدمة في السباكة والقنطرة. كانت المياه تنهمر من السقف بينما كان المستحمون يقفون تحتها.

 

كان لدى الرومان قديما أيضا، على شاكلة الإغريق، أدشاش داخل حماماتهم التي مازال بالإمكان رؤيتها حتى يومنا هذا في الكثير من المناطق حول حوض المتوسط، وفي إنجلترا اليوم.

بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية وقيامة المسيحية، لم يعد الناس يفضلون الحمامات العمومية ذات الطابع الجماعي، خاصة تلك التي سمحت باختلاط الجنسين، لأن الاستحمام عاريا أمام الجنس الآخر كان ”يثير الشهوات“، وهو ما كان يعتبر خطيئة في أعين المسيحية.

بينما لم تعد الحمامات العمومية قيد الاستعمال في العصور الوسطى، وعلى عكس المعتقد السائد، لم تذهب النظافة الشخصية طي النسيان أيضاً.

بدون شك، قام الغزاة الصليبيون بجلب الصابون معهم إلى أوروبا من الشرق الأقصى، وسرعان ما تحولت صناعة الصابون إلى حرفة ممتهنة وتجارة قائمة بذاتها في أوروبا خلال عصور عرفت بالـ”العصور المظلمة“، وما كان قد فُقد بسقوط الإمبراطورية الرومانية هو أنظمة إمدادات المياه والصرف الصحي المعقدة التي طورها الرومان والإغريق، حيث لم يلبث الناس في العصور الوسطى أن عادوا للاستحمام داخل أحواض استحمام خشبية من جديد.

حمام عمومي في اليونان القديمة، يظهر هنا رجال يقفون تحت مواسير مائية وهم بصدد الاستحمام.

حمام عمومي في اليونان القديمة، يظهر هنا رجال يقفون تحت مواسير مائية وهم بصدد الاستحمام.

بحلول القرن الثامن عشر، بدأ الاهتمام بالنظافة الشخصية يتصاعد من جديد، وقد كان ما غذّاه هو التطور الحاصل في مجال الطب وعلم الأوبئة، غير أن تطور الاستحمام والحمامات والأدشاش كان يسري ببطء، فقد كانت أحواض الاستحمام كبيرة وكانت تتطلب الكثير من الماء لتمتلئ، وكان يجب تسخين هذا الماء ونقله من المطبخ إلى الحمام محمولا داخل دلاء، وهذا يعني أن الاستحمام تطلب الكثير من العمل المتعب.

قرر صانع أفران وسخانات مياه إنجليزي يدعى (ويليام فيذام) أن يسرع عملية تطور الأدشاش قليلاً، فقام باختراع وتسجيل أول دش ميكانيكي في التاريخ: تضمن تصميمه حوضاً، حيث كان الشخص الذي سيستحم يقف عليه، وخزان مياه معلقاً فوق رأسه، وكان الشخص المستحم ليستخدم مضخة يدوية من أجل ضخ المياه من الحوض إلى الخزان فوقاً، ثم كان يسحب سلسلة من أجل سكب ذلك الماء في آن واحد على رأسه، ثم كان ليعيد الكرّة حتى يفرغ من الاستحمام.

فشل اختراع (فيذام) في جذب اهتمام الطبقة الأرستقراطية لأن المياه كانت لتتسخ شيئا فشيئا وكانت لتبرد شيئا فشيئا مع كل مرة كانت السلسلة تُسحب فيها، ومنه كان الأغنياء يعتبرون تعرضهم لرشّة من المياه الباردة أمراً أكثر مما قد يتحملونه، فهم اعتادوا على الاستحمام في المياه الساخنة في حمامات واسعة وداخل أحواض استحمام فاخرة وعريضة.

دون ذلك، مثّل دش (فيذام) أفضل ما تمكنت عامة الشعب من الحصول عليه على مر أكثر من قرن من الزمن.

خادمة تقوم بملئ دش ميكانيكي مثل ذلك الذي اخترعه (فيذام) من أجل سيدها.

خادمة تقوم بملئ دش ميكانيكي مثل ذلك الذي اخترعه (فيذام) من أجل سيدها.

أصبح الاستحمام في الدش ذا شعبية كبيرة في وسط القرن التاسع عشر، وذلك بفضل طبيب فرنسي يدعى (ميري ديلابوست)، كان (ديلابوست) طبيب جراحة عامة يعمل لدى سجن (بون نوفال) في (روان)، وهناك قام باستبدال الأدشاش الفردية بأدواش جماعية إجبارية ليستعملها السجناء، وقد تحجج في ذلك بكونها أكثر توفيراً ونظافة، كما قام كذلك بالإشراف على تثبيت هذا النوع من الأدشاش في ثكنات الجيش الفرنسي في سبعينات القرن التاسع عشر.

في تلك الأثناء، حصلت بعض التطورات في مجال التسخين عنت أن الناس لم يعودوا مضطرين لتحمل الاستحمام في الدش بالمياه الباردة، فقد تطورت حرفة السباكة الداخلية كثيرا مما سمح بتوصيل الأدشاش المعلقة مباشرة بمصادر المياه، وفي تلك الأثناء أصبح بإمكان حتى الطبقة المتوسطة الحصول على مياه ساخنة جارية في المنازل.

في سنة 1868، اخترع رسام إنجليزي يدعى (بنجامين وادي موغان) سخان ماء لم يكن يعمل —لأول مرة— بالوقود. بدل ذلك، كان يتم تسخين الماء باستعمال الغازات الساخنة الصادرة عن رأس موقد. للأسف، نسي (موغان) تثبيت مروحة تهوية داخل اختراعه مما تسبب في انفجار رأس الموقد أحياناً.

على الرغم من أن اختراع (موغان) فشل، فإن الاسم الذي منحه له بقي ملازما له، حيث كان هو من منح الاختراع اسم «سخان الماء» بالإنجليزية Geyser، وهو المصطلح الذي مازال قيد الاستخدام إلى يومنا هذا في إنجلترا وبعض بلدان القارة الآسيوية.

تم تحسين تصميم (موغان) على يد مهندس ميكانيكي نرويجي يدعى (إدوين رود)، وفي سنة 1889، اختُرع أول سخان ماء أوتوماتيكي آمن يعمل بالغاز، ودخل العالم حقبة جديدة في الاستحمام.

في هذه الصورة يظهر (إدوين رود) واقفاً بجانب سخان الماء الذي اخترعه. على اليمين يُظهر رسم بياني الأقسام الداخلية لسخان المياه الفوري من اختراع (رود).

في هذه الصورة يظهر (إدوين رود) واقفاً بجانب سخان الماء الذي اخترعه. على اليمين يُظهر رسم بياني الأقسام الداخلية لسخان المياه الفوري من اختراع (رود).



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أوقات الصلاة
الفجر 03:54
الظهر 12:42
العصر 04:23
المغرب 07:50
العشاء 09:30