هكذا غيَّر مبتعثون يابانيون بلادهم وجعلوها قوة عالمية
هكذا غيَّر مبتعثون يابانيون بلادهم وجعلوها قوة عالمية

السبت | 20/07/2019 - 02:22 مساءً

عقب إصلاح ميجي (Meiji Restoration) سنة 1868، سارت اليابان بخطى ثابتة في طريق تحديث وعصرنة البلاد وخلال الخمسين سنة الأولى حقق اليابانيون إنجازات عظيمة وتمكنوا من إلحاق الهزيمة بالعملاق الروسي خلال حرب 1904-1905 وتحالفوا مع القوى المنتصرة زمن الحرب العالمية الأولى فجلسوا إلى طاولة المفاوضات بفرساي وحصلوا على امتيازات عديدة لتظهر اليابان على إثر ذلك كواحدة من أهم القوى العالمية. ومن ثم اتجه اليابانيون نحو عسكرة البلاد لتدخل بذلك إمبراطورية نيبون، أي اليابان، الحرب العالمية الثانية، والتي شارفت خلالها على نهايتها. ومع نهاية هذا النزاع العالمي الثاني، عرفت اليابان معجزتها الصناعية التي قفزت بفضلها لتصنف ضمن أهم 3 اقتصادات في العالم.

وقد شهد هذا التاريخ المعاصر الحافل لليابان العديد من المراحل كانت أهمّها العقود الأولى التي تلت إصلاح ميجي ونهاية فترة شوغونية توكوغاوا وزوال النظام الإقطاعي وإلغاء المقاطعات وتوحيد البلاد ضمن نظام المحافظات، حيث عرفت تلك السنوات ظهور شخصيات جوهرية ساهمت في رسم ملامح اليابان وتحديثها وإلحاقها بقطار الحضارة عقب قرون من العزلة. فمن خلال مهمات وبعثات شبيهة ببعثة السفارة الكبرى التي قادها الإمبراطور الروسي بطرس الأكبر أواخر القرن السابع عشر، أرسلت اليابان العديد من الشخصيات في رحلات مطولة استمرت أشهراً نحو كل من أميركا وأوروبا لدراسة ملامح الدولة الحديثة والمعاصرة.

لوحة تخيلية تجسد انطلاق بعثة إيواكورا نحو أوروبا وأميركا


وتصنف بعثة إيواكورا (Iwakura Mission) التي انطلقت عام 1871 كأهم هذه البعثات. فبعد نحو 4 أشهر فقط من نهاية نظام المقاطعات واعتماد نظام المحافظات، قاد 3 من مهندسي هذا التغيير، وهم إيواكورا تومومي وكيدو تاكايوشي وأوكوبو توشيميشي، بعثة تنقلت بين أوروبا وأميركا على مدار 18 شهرا بهدف بناء يابان المستقبل. وقد حملت هذه البعثة اسم بعثة إيواكورا نسبة لإيواكورا تومومي الذي حصل على رتبة سفير فوق العادة وتضمنت في صفوفها عشرات التلاميذ الذين سعت اليابان لتكوينهم في دول متقدمة بهدف الاعتماد عليهم في المستقبل.

أعضاء بعثة إيواكورا خلال لقائهم بالرئيس الفرنسي تيار


وقد مرت هذه البعثة في طريقها ببريطانيا فتجولوا في أرجائها وشاهدوا تقدم المواصلات والسكك الحديدية بها وراقبوا عن كثب مصانع الصلب والآلات الحديثة وتابعوا أبسط التفاصيل الصناعية وزاروا مصانع الجعة والبسكويت كما اتجهوا أيضا لمشاهدة الجانب المظلم للندن والذي تمثّل في أحيائها الفقيرة واستغلال الأطفال لإنجاز المهام الشاقة كما توجهوا أيضا لباريس وسمعوا عن أحداث الكومونة عقب هزيمة فرنسا على يد البروسيين. وواصلت هذه البعثة مهمتها فحلت ببرلين والتقت بالمستشار الحديدي أوتو فون بسمارك، حيث أجرى اليابانيون هنالك حوارات شائقة مع بطل الوحدة الألمانية وتابعوا عن كثب الصعود والتقدم السريع للصناعة الألمانية. أيضا، جاب المبتعثون اليابانيون العديد من العواصم الأوروبية الأخرى فزاروا كلاً من بروكسل وأمستردام وتوجهوا لموسكو ولاحظوا تخلفها وتأخرها تحت حكم القياصرة.

صورة فوتوغرافية لإيواكورا تومومي

صورة للإمبراطور الروسي بطرس الأكبر

صورة لكانيكو كينتارو


وخلال هذه المهمة، زارت بعثة إيواكورا الولايات المتحدة الأميركية، وتابعت عن كثب نموذجها الاقتصادي واطلعت على تاريخها الحديث كما حلّت أيضا بعدد من العواصم الآسيوية ولاحظت ضعف تجارتها وانتشار الأفيون وزارت عدداً من المدن العربية، منها القاهرة، وذهلت لبؤس وتخلف شعوبها في ظل الهيمنة العثمانية.

ومع نهاية جولتهم العالمية، أدرك أغلبية أعضاء بعثة إيواكورا أن اليابان بحاجة لبضعة عقود للحاق بالدول الغربية كما اتفقوا على ضرورة أن يكون التغيير بالبلاد تدريجيا لتجنب ما لا تحمد عقباه. فضلا عن ذلك، اتجه أغلب المبتعثين اليابانيين للاقتداء بالنموذجين الألماني والبريطاني.

صورة لماكينو نبوأكي

صورة للمسؤول الفرنسي موريس بلوك

صورة للمنظر الإجتماعي الألماني لورينز فون شتاين

صورة للمستشار الألماني أوتو فون بسمارك


ومع عودتهم لوطنهم أوقف أفراد بعثة إيواكورا طموحات المسؤولين لغزو كوريا، مفضلين بدلا من ذلك التركيز على إصلاح الشأن الداخلي فاتجهوا لوضع دستور للبلاد منحوا من خلاله الإمبراطور مكانة مركزية لتعويض القيم الأخلاقية المسيحية المهيمنة بأوروبا وقد فضّل الجميع القيام بذلك عملا بنصيحة المسؤول الفرنسي موريس بلوك وتأثرا بنصائح المنظر الاجتماعي الألماني، لورينز فون شتاين، الذي التقى بالبعثة اليابانية أثناء تواجده بفيينا.

من جهة ثانية، قاد أفراد هذه البعثة التغيير الجذري الذي عرفته اليابان. ففي مجال الصناعة حدّث كل من دان تاكوما وأوشيما تاكاتو مناجم الفحم والفضة والذهب والنحاس وعملا على تطوير طرق الاستخراج. وفي المجال الدبلوماسي أبرم هاياشي تاداسو سفير اليابان بلندن اتفاقية شراكة وتعاون مع بريطانيا، وعمل كانيكو كينتارو، الذي ظلّ بأميركا، على إنهاء الحرب اليابانية الروسية سلمياً مستغلاً صداقته مع الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت، وشارك ماكينو نبوأكي في مؤتمر فرساي سنة 1919 ودافع عن مصالح بلاده ونجح ياسوبا ياسوكازو في إدخال إصلاحات عديدة بنظام المحافظات، وفي مجال التعليم توجه تاناكا فوجيمارو لتطبيق نظام التعليم المعاصر وسن قانون التعليم وأسس يامادا أكيوشي مدرسة القانون الياباني، وأسس نيجيما جو جامعة دوشيشا، وأسست تسودا أوميكو مدرسة الإنجليزية للإناث وفي الطب عمل الطبيب ناغايو سينساي على نشر فكر النظافة العامة. كما عمل إنوي كواشي على إقرار الدستور الإمبراطوري، واتجه ناكاي شومين للتعريف بكبار فلاسفة الأنوار الفرنسيين. وبفضل كل هذه النتائج الرائعة، فتحت بعثة إيواكورا الطريق لمزيد من البعثات حيث واصلت اليابان خلال السنوات التالية إرسال المبتعثين للاقتداء بالتجربة الغربية وتحقيق نهضتها الثقافية والاقتصادية والصناعية.



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أحدث الاخبار
أوقات الصلاة
الفجر 05:06
الظهر 11:35
العصر 02:18
المغرب 04:36
العشاء 06:04