البيولوجيا والنزعة القومية.. هل نحن عنصريون بطبيعتنا؟
البيولوجيا والنزعة القومية.. هل نحن عنصريون بطبيعتنا؟

الأربعاء | 21/08/2019 - 06:17 مساءً

لم تكن أمامه فرصة للنجاة، فخطؤه الأول كان خروجه منفردا يبحث عن طعام، فلو كان رفقة آخرين ربما اختلف حاله. أما خطؤه الثاني والأكبر فيتمثّل في تجواله وتوغله بعيدا وسط منحدرات الوادي داخل منطقة خطرة كثيفة الأشجار، لأنه بذلك جعل نفسه عرضة لمخاطرة الاحتكاك مع الأغيار، الذين يقيمون عند قمة التلال فوق الوادي. وعندما انتبه ظهر له في البداية اثنان من أولئك الأغيار، فحاول قتالهما، لكن سرعان ما تسلّل أربعة آخرون خلفه فأحاطوا به من كل جانب وتمكّنوا منه، وتركوه هناك ينزف حتى الموت، ثم ما لبثوا أن عادوا إليه في وقت لاحق فمزّقوا جسده وشوّهوه.

 

في الواقع، الأبطال المذكورون في قصة الغزو الدامية تلك -التي رواها جون ميتاني الباحث في مجال عالم القردة العليا- ليسوا من البشر وإنما هم من فصيلة الشمبانزي التي تسكن في المتنزه القومي بأوغندا. فخلال عقد كامل من وجود هذه الفصيلة في ذلك المتنزه، تبيّن أن الذكر في مجموعة الشمبانزي يقوم بقتل جميع جيرانه من الذكور بصورة منتظمة ثم يخطف من تبقى على قيد الحياة من الإناث، فيوسّع بذلك أراضي مجموعته. تكرر هذا في غزوات مماثلة جرت وسط الشمبانزي في أماكن أخرى، حيث توصلت دراسة أُجريت في عام 2014 إلى أن احتمال قتل الشمبانزي لفرد من مجموعة مجاورة يفوق 30 مرة عن نسبة قتل فرد آخر من داخل مجموعته. بحسب الدراسة، فإن ثمانية على الأقل من الشمبانزي يشتركون في عملية الفتك بالضحية.

 

إذا كانت حياة قرود الشمبانزي تتسم بهذا الحجم من العنف، فهل من المستغرب أن نجد البشر -الذين يشتركون بنسبة 98% من حمضهم النووي مع الشمبانزي (وفق النظرية التطورية)- ينزعون إلى تقسيم العالم إلى "نحن" و"هم"، ثم يخوضون حربا في سبيل هذه التصنيفات؟ بالطبع، إجراء المقارنات الاختزالية من هذا النوع مسألة خطرة، لأن البشر في نهاية المطاف يشتركون بالقدر نفسه من الأحماض النووية مع فصيلة البابون، التي لم يُعرف عنها شيوع مثل هذا السلوك الوحشي بين أفرادها.

   

  

إضافة إلى ذلك، فإن الكائن البشري لا يقتل من أجل السيطرة على الوديان فحسب، بل يعمد كذلك إلى القتل على أساس الأفكار التجريدية؛ كالأيديولوجيا والدين واكتساب السلطة الاقتصادية، ولا نظير لقدرته في تغيير سلوكه استنادا إلى تغييره لأفكاره (فالسويديون على سبيل المثال، أمضوا القرن السابع الميلادي وهم ثائرون في أرجاء أوروبا، لكنهم اليوم كما نعلم هم سويديون بسلوك مغاير عن تلك الصورة). علاوة على ذلك، فإن أكثر لحظات البشرية جمالا أو فظاعة تصدر بالأساس عن نظام دماغي يشمل كل شيء بما في ذلك أنشطة الخلايا العصبية التي جرت في غضون الثواني السابقة من عمر الشخص، حتى ملايين السنين القادمة في مسيرة التطور (آخذين في الاعتبار تأثير مجموعة العوامل الاجتماعية المركبة). والحال كذلك، فإن فهم ديناميات هُوية الجماعة البشرية بما في ذلك عودة ظهور النزعة القومية -التي تعتبر ربما أحد أكثر أشكال التحيّز لمن هم داخل المجموعة- يقتضي فهم الأسس البيولوجية والمعرفية التي تقوم عليها دعائم تلك الهوية.

 

غير أن تحليلا كهذا لا يوفر أسبابا كافية للتفاؤل، فأدمغتنا تميّز بين الأشخاص داخل مجموعتنا وأولئك الذين يوجدون خارج هذه المجموعة في أقل من لمح البصر. ليس ذلك فحسب، بل تشجعنا على أن نكون لطفاء مع المجموعة الأولى وأن نكون عدائيين تجاه المجموعة الثانية، وتعمل هذه التحيّزات بصورة آليّة وغير واعية وتبدأ في البروز في مرحلة مبكرة من العمر. وهي إلى جانب ذلك، تحيّزات اعتباطية وكثيرا ما تكون متقلّبة لدرجة أن من نُصنّفهم اليوم بـ "هم"، قد يصبحون في دائرة "نحن" في المستقبل. لكن هذه في النهاية محض مواساة متواضعة ليس إلَّا.

 

يمكن للبشرية بالطبع أن تكبح جماح نوازعها وتبني مجتمعات يتبدل فيها مسار المنافسة بين المجموعات إلى مجالات أقل تدميرا من الحروب، غير أن الأسس النفسية لنشوء العصبية قائمة، حتى عندما يُدرك الناس أن مسألة الولاء للون البشرة أو الإله أو فريق الرياضة لا تزال مسألة تتم بصورة اعتباطية تماما مثل عملية رمي العملة المعدنية في القرعة. فعندما يتعلق الأمر بالدماغ البشري ليس هناك ما يمنع زميلا جديدا من أن يصبح عدوا مرة أخرى في المستقبل.

     

    

العقل القبلي

إن نزوع العقل البشري للتفكير وفق ذهنية "نحن مقابل الآخرين" هي نزعة عميقة الجذور في تكوين الإنسان، فقد أظهرت دراسات رصينة أن الدماغ يقوم بمثل هذا التمييز بصورة آليّة وبسرعة لا يمكن تصورها. وإذا شاء المرء أن يتأكد من ذلك فما عليه سوى أن يدخل متطوعا إلى مختبرات فحص الدماغ، ثم يحرّك أمامه بسرعة ومضات لصور من وجوه الأشخاص، حيث تُظهِر النتائج بأن الاتجاه العام وسط الأشخاص البيض، الذين يشاركون في مثل ذلك الفحص، أن منظر وجه رجل أسود ينشّط عندهم المخيخ -وهو منطقة في المخّ مسؤولة عن مشاعر الخوف والعدوان- ويدفعها للعمل في أقل من عُشر الثانية.

 

في معظم تلك الحالات، فإن قشرة الفص الجبهي -وهي منطقة في الدماغ مسؤولة عن السيطرة على الانفعالات وضبط العواطف- تبدأ في العمل بعد مُضي ثانية واحدة أو اثنتين من الانفعال الأول، وتقوم بعملية إسكات المخيخ. بالطبع سيتحجّج من يخضع لمثل هذا الفحص بالقول: "لا تأخذ عني ذلك الانطباع، فتلك ليست من طبيعتي أو لا تُمثّل شخصيتي". رغم ذلك، يبقى أن نقول إن ردّة الفعل الأوّلية للناس كثيرا ما تتسم بالخوف.

 

وبالطبع هذه النتائج لم تعد من الأمور الشاذة، فالنظر إلى وجه شخص من داخل المجموعة العرقية يحفّز في المرء منطقة في الدماغ تسمى التلفيف المغزلي، مهمتها التعرف على الوجوه، لكن هذه المنطقة تكون أقل نشاطا عندما يتعلق الأمر بالتعرف على وجه شخص من مجموعة عرقية أخرى. أضف إلى ذلك، فإن مشاهدة يد شخص من مجموعتنا العرقية نفسها أثناء عملية وخزها بالإبرة من شأنه أن يحرّك القشرة الحزامية الأمامية المسؤولة عن إفراز مشاعر التضامن والتعاطف في أدمغتنا. لكن في المقابل، عندما يحصل الأمر نفسه في يد شخص من مجموعة عرقية أخرى فإن القشرة تكون أقل تفاعلا مع حالته.

   

  

من المعروف أن البشر يطلقون في كل آن أحكاما قيمية آلية حول الفئات الاجتماعية الأخرى. لكن لك أن تتخيّل بأنك لو كنت شخصا متحاملا ولديك تحيّزات تجاه الغول وفصيلته وأنك عادة ما تُخفي ذلك عن الآخرين، فإنك بمجرد أن تعرض نفسك لاختبار مثل "اختبار الربط الضمني" (Implicit Association Test)، فإنه سيكشف أمر تلك التحيّزات التي تخفيها عن الآخرين. وينطبق الأمر نفسه على الاختبارات التي تُجرى على شاشة الحاسوب وتظهر فيها بالتوالي مقولات معبّرة مثل "البطولة" و"الجهل"، ويُطلب منك فيها الضغط على أحد الأزرار المناسبة. فإذا صُمّمت الأزرار بحيث يحيل الضغط على الزّر A إلى صورة الغول أو للدلالة على المقولة السلبية المتصلة بها، والضغط على الزرّ B للإحالة إلى وجه بشري أو المقولة الإيجابية المرتبطة بها، إذا كان الترتيب بهذا الشكل فستكون المهمة في غاية البساطة وستجيب عن الاختبار بسرعة وبصورة صحيحة.

   

لكن لو انقلبت المزاوجة بين الأزرار وطُلب منك أن تختار الزر A للإحالة إلى وجه بشري أو للدلالة على مقولة سلبية متصلة بها واختيار B للإحالة إلى صورة الغول أو المقولة الإيجابية المرتبطة بها، ففي هذه الحالة فإن استجابتك في التفاعل ستكون بطيئة وسيحصل تأخير في كل مرة تحاول فيها اختيار الإجابة، لأن عملية الربط والمزاوجة بين صورة الغول مع التعبير اللائق أو ربط البشر مع الأمور السلبية "البغيضة" ستعيق تفاعلك لأجزاء من الثانية. وهكذا، فكلما خضعت لعدد كافٍ من الاختبارات يسهل اكتشاف مدى البطء في الاستجابة، فتظهر بالتالي تحيزاتك تجاه الغِيلان أو في حالة الاختبارات التي تتعلق بالموضوعات الحقيقية، ويكتشف الناس تحيّزاتك تجاه الأعراق والأديان وأنواع الأجسام.

 

من نافلة القول إنّ العديد من هذه التحيّزات تُكتسب بمرور الوقت، لكن البُنى التي تقوم عليها أنظمة الإدراك التي يتطلبها اتخاذ مثل تلك التحيّزات موجودة في الإنسان منذ بداية تكوينه. فحتى الرضع يفضلون أولئك الذين يتحدثون لغة والديهم، كما أنهم يتجاوبون بسهولة وبصورة إيجابية عند تذكّر وجوه أناس من عرق والديهم نفسه. وبالمثل، الأطفال في سنّ الثالثة يفضلون أشخاصا من عرقهم ونوعهم الجندري نفسه. وبالطبع لا يعني هذا أن الأطفال يولدون بمعتقدات عنصرية متأصلة فيهم، بل ولا يستدعي الأمر أن يقوم والداهم بتعليمهم تحيّزات عرقية أو جندرية بصورة مباشرة أو ضمنية. صحيح أن الأطفال بالفعل يتبنون مثل تلك الأفكار من بيئتهم في سنّ مبكرة، لكن يبقى مع ذلك القول إنّ الأطفال يحبون الأشياء المألوفة، وهو ما يقودهم، بدوره، إلى نسخ وتبني تصنيفات والديهم العرقية واللغوية.

   

  

وأحيانا نجد أن الأسس التي يقوم عليها الشعور بالعطف والتعاون في جوهرها هي نفسها المسؤولة عن بعض النوازع البشرية المظلمة. على سبيل المثال، الأكسيتوسين (Oxytocin)، المركب الحيوي الغامض المعروف بـ "هرمون الحب"، قد أثار مؤخرا جدلا كبيرا من النقاش. فهو، أي الأكسيتوسين، في الثديّات يلعب دورا أساسيا في توطيد الروابط بين الأمهات والرضع كما يساعد في ترسيخ الصلات داخل الأسرة الواحدة. فضلا عن ذلك، يعزز هذا الهرمون طائفة واسعة من السلوكيّات الاجتماعية الإيجابية في الجماعات البشرية ويصبح من يتعاطاه أكثر سخاء وثقة وأكثر نزعة في التأكيد والتعبير عن النفس. مع ذلك، فإنّ الدراسات التي تم التوصل إليها مؤخرا تُشير إلى أن الأكسيتوسين يدفع الناس للتصرف بالأنفة فقط تجاه من هم داخل المجموعة التي ينتمي إليها المرء كالزملاء في اللعبة، أما عندما يتعلق الأمر بمن هم خارج المجموعة فيجعلهم عدوانيين وأغيارا مكروهين. وهذا شيء غريب، لأن الهرمونات قلّما تؤثر في السلوك بهذه الصورة، فالقاعدة هي أن يتفاوت تأثيرها في القوة بحسب السياقات. لكن في حالة هرمون الأكسيتوسين فهو يفاقم النقائص في أدمغتنا بين "نحن" و"هم".

 

عموما، بيولوجيا الأعصاب والغدد الصماء وعلم النفس المتعلق بالتطور كلها تقدم صورة قاتمة عن حياتنا ككائنات اجتماعية. والحال كذلك، فعندما يتعلق الأمر بمسألة الانتماء لا يبدو أن البشر يختلفون كثيرا عن مجموعات الشمبانزي التي يقتل بعضها بعضا في غابات أوغندا. ذلك لأن ولاء الناس ينصرف أساسا إلى الأشياء المألوفة -على الأقل في البداية- فيواجهون أي كائن بعد ذلك بقدر من التشكيك والخوف أو العداء. أما في الواقع العملي، فإنّ البشر يمتلكون القدرة على إعادة التفكير في تلك المخاوف وبالتالي يتحكمون في نزعاتهم العدوانية تجاه الأغيار. غير أن القيام بذلك لا يعدو أن يكون أمرا ثانويا بوصفه خطوة تصويبية للفعل الأول.

 

عمائم للهيبستر من أصحاب اللحى الطويلة

رغم كل هذه التشاؤم المشار إليه آنفا، هناك فرق جوهري بين البشر وبين أولئك المتحاربين من الشمبانزي، فنزعة البشر إلى التحيّز لمن هم داخل مجموعتهم حتى وإن كانت تسري عميقا في تكوينهم فإن أحكامها (تجاه الأغيار) تعتبر أحكاما محايدة نسبيا بالمقارنة مع الشمبانزي. صحيح أن بيولوجيا البشر تنزع بصورة سريعة وشبه حتمية إلى تشكيل ثنائيات "نحن والآخرون"، لكنّ من يتم تصنفيه خارج المجموعة لا يكون ثابتا بالمطلق، فقد يتغيّر هذا التصنيف في لمح البصر.

   

  

إضافة إلى ما سبق، إن البشر ينتمون إلى مجموعات متعددة ومتداخلة في الآن نفسه، تتضمن كل واحدة من تلك المجموعات دليلا إرشاديا أو قائمة لمن تعتبرهم أغيارا، كالذين ينتمون إلى الأديان والأجناس أو الأعراق المغايرة؛ أو الذين يشجعون فرقا رياضية أخرى؛ أو الذين يعملون عند الشركات المنافسة؛ أو ببساطة أولئك الذين يحملون تفضيلات مغايرة في المشروبات الغازية مثل الكوكاكولا أو البيبسي. والأهم من كل ذلك، أن السمات البارزة في هُوية تلك المجموعات تتغير باستمرار طوال الوقت. على سبيل المثال، لو كنت تسير في طريق مظلم ليلا ورأيت واحدا من أولئك "الأغيار" يقترب منك، فسيحفّز هذا الأمر لوزة الدماغ ويجعلها في حالة يقظة، أما لو كنت جالسا بجوار الشخص نفسه في ملعب رياضي وكنتما تهتفان في حالة انسجام تأييدا للفريق نفسه، فستكون لوزة الدماغ في حالة سبات. في السياق نفسه، فقد أظهر الباحثون في جامعة كاليفورنيا - سانت باربرا أن من يخضعون للاختبارات يميلون إلى تصنيف صور الناس حسب أعراقهم بصورة سريعة وآلية.

 

لكن عندما عرض الباحثون صورا لأناس من البيض والسود وهم يرتدون أزياء رسمية ملونة ومختلفة، أخذ المختبرون يصنفون الناس بحسب أزيائهم دون أن يولوا أدنى اهتمام لأعراقهم. بمعنى آخر، يتبيّن من ذلك بأن معظم النزعات المتصلة بالتفكير حول من هم داخل المجموعة أو خارجها قضية غير مرتبطة بشكل دائم بصفة إنسانية محددة كقضية العرق. على العكس من ذلك، فإن بنية الإدراك في البشر تطورت بحيث أصبحت ترصد أي إشارات محتملة لإجراء تحالفات اجتماعية في سبيل تعزيز فرص المرء في النجاة وتحديد الصديق من العدو. بيد أن هذه الإشارات أو الخصائص التي يركز عليها البشر من أجل اتخاذ قرار ما بشأن تلك التحالفات تتفاوت هي الأخرى بتفاوت السياقات الاجتماعية، بل ويمكن التلاعب بها بسهولة.

 

إن الخصائص التي يُضفيها الناس على "الآخرين" تظل قابلة للتغيير؛ وهو تغيير نلاحظه حتى عندما تكون الحدود الفاصلة بين المجموعات البشرية ثابتة، ومن أراد التأكد من هذه المسألة عليه أن يتخيّل كيف تبدلت تصورات الناس عن المهاجرين في الولايات المتحدة على مر العقود. فضلا عن ذلك، فإن الحدود الفاصلة بين المجموعات حتى وإن وُجدت فإنها هي الأخرى تختلف من مكان لآخر؛ فأنا على سبيل المثال نشأت في منطقة بنيويورك يسودها توتر عرقي حاد بين سكانها، لكني اكتشفت في وقت لاحق -أي عندما خرجت من المنطقة- بأن الناس في وسط أميركا بالكاد يميزون بين من كان يُصنّف ضمن "نحن" ومن كان يُصنّف ضمن "هم" في منطقتي القديمة. في مجال التمثيل، يمضي بعض الفنانين معظم حياتهم المهنية وهم يقومون بتأدية أدوار لشخصيات من مجموعة معينة كما يؤدون أدوارا تُمثّل شخصيات من مجموعة أخرى.

   

يمكن للبشر ارتكاب عنف على أساس القربى، لكن عقلية المجموعة البشرية -المسؤولة عن هذا السلوك- تعمل بصورة مستقلة بالكامل عن الأواصر العائلية

مواقع التواصل

   

هذه المرونة والتميز، القائمان على الأساس السياقي والظرفي، يعتبران من الخصائص البشرية الفريدة. أما في الفصائل الحيوانية الأخرى فإن الفروقات القائمة بين من هم في داخل أو خارج المجموعة تعكس قدرا من القرابة البيولوجية أو ما يطلق عليه علماء البيولوجيا التطورية "انتقاء من القربى". فالقواضم (من فصيلة اللبونات) تميّز بين الأشقاء وأبناء العم وبين الغريب عبر حاسة الشم، حيث تتعرف على بعضها بعضا عبر إفراز مادة تسمى فيرمون، وهي مادة ثابتة وخاصّة بكل واحدة منها، ثم تتصرف مع الطرف الآخر تبعا لذلك. ومجموعة الشمبانزي الدموية -التي أشرنا إليها في مستهل المقال- مكوّنة في معظمها من أشقاء أو أبناء عمّ نشأوا معا ويقومون بإلحاق الأذى بالغرباء.

 

بالطبع يمكن للبشر ارتكاب عنف على أساس القربى، لكن عقلية المجموعة البشرية -المسؤولة عن هذا السلوك- تعمل بصورة مستقلة بالكامل عن الأواصر العائلية. والحال كذلك، تعتمد معظم المجتمعات الحديثة على انتقاء ذوي القربى ثقافيا، وهو ما يُتيح للناس الشعور بالارتباط الوثيق فيما بينهم، مع أنهم من الناحية البيولوجية يعتبرون غرباء تماما.

 

ويتطلب الوصول إلى مثل تلك الحالة من القربى الثقافية القيام بعملية تنشئة ثقافية فعّالة وغرس كل ما من شأنه ترسيخ هذه القربى من طقوس ومفاهيم. بهذا المعنى يمكن النظر إلى كلٍّ من التدريبات العسكرية وما تخلقه من "عصبة الأخوة"، وطلاب السنة الأولى الجامعية الذين يصبحون إخوة في السكن، أو النظر في التقليد الأميركي التليد في الترحيب بالمهاجرين إلى داخل "الأسرة الأميركية"، باعتبارها نماذج لمجموعات تربطها قربى ثقافية. علاوة على ذلك، فإن هذه المرونة في تشكيل الهوية بهذه الصورة، عوضا عن تشكيلها بصورة ثابتة عن طريق الوراثة، تدفع الناس إلى استخدام علامات اعتباطية تسمح لهم باكتشاف ذوي قرباهم الثقافيين من وسط محيط كبير من الغرباء. ومن هنا تبرز -كذلك- الأهمية الكبيرة التي توليها المجتمعات للأعلام والأزياء واللحى ورموز أخرى مثل لحية الهيبستر والعمائم وقبعة "لنجعل أميركا عظيمة مجددا". فكل هذه العلامات تلعب دورا في إرسال إشارات قوية تبيّن للمرء انتماءه القبلي.

    

 قبعة "لنجعل أميركا عظيمة مجددا" (رويترز)

  

إضافة إلى ما سبق، فإن المجموعات الثقافية يتم تكوينها بصورة اعتباطية مقارنة مع منطق تكوين "انتقاء ذوي القربى" في الفصائل الحيوانية الأخرى، الذي يعتبر ثابتا نسبيا ويحدّد عن طريق الوراثة. وتعتبر تجربة المهاجرين عن طريق القرعة أو ما تعرف بتأشيرة اللوتري أفضل مثال يُثبت هذه الاعتباطية، لأن القرعة بإمكانها أن تقوم بعملية إعادة تشكيل جذري لمستقبل طفل ما، بتشكيل تعليمه ومهنته ونزوعه الثقافي. وفي حالتي الشخصية، فإن القطار الخارج من موسكو، الذي أدركه جدي ووالدي في اللحظة الأخيرة، لو قدر له أن فاتهم ولم يتمكنوا من السفر -لو افترضنا أن ذلك حصل- لربما كنت أصبحت أكاديميا روسيا يدخن بشراهة عوضا عن كوني أكاديميا أميركيا يرتدي العلامة التجارية بريكنستوكس، ولقدّر لعيني أن تفيضا بالدموع عند سماع مآثر البطولة حول معركة ستالينجراد بدلا من بيرل هاربر. يتبيّن من هذا أن معظم هوياتنا ابتداء من تواريخ صور الفرد العائلية وصولا إلى الصورة الكبيرة للهويات الجماعية، كالهوية القومية والركائز الثقافية التي تقوم عليها حياتنا، كلها يتم تشييدها بصورة اعتباطية وتخضع في النهاية لتقلُّبات التاريخ.         

 

ثورة أم إصلاح؟

في كل الأحوال، أن يتم تشكيل هويات مجموعتنا -سواء كانت قومية أو غيرها- بطريقة اعتباطية فإن ذلك لا يعني أنها مسألة لا تترتب عليها أمور بالغة الأهمية. فالنزعتان القومية والوطنية في أحسن صورهما يمكنهما أن يشجعا الناس في بلادهم نحو دفع الضرائب والعناية بالمعدمين، بما فيهم أولئك الذين لا تربطهم بهم صلة ولم يسبق لهم مقابلتهم، بل ولن يقابلوهم أبدا. وبما أن هذا النوع من التضامن تم ترسيخه تاريخيا وفق سمات ثقافية زائفة، يصبح من السهل بعد ذلك زعزعته خاصة عن طريق قوى العولمة. فهذه القوى، أي العولمة، يمكنها أن تجعل أناسا كانوا في مرة عنوانا لثقافتهم يشعرون بعدم أهميتهم وتضطرهم إلى إقامة صلات مع فئات مختلفة من الجيران ما كانت موجودة وقت أجدادهم. وإزاء وضع مضطرب كهذا، يمكن للنزعة القومية المدنية المتمثلة في دفع الضرائب أن تنزلق بسرعة إلى اتجاه أكثر قتامة، يسود فيه ممارسة كراهية غير إنسانية تحوّل اليهود إلى "آفات"، والتوتسي إلى "صراصير"، والمسلمين إلى "إرهابيين". في الوقت الراهن، هذا النمط من القومية بدأ في الظهور مجددا في جميع أرجاء العالم، بتشجيع من الزعماء السياسيين الذين يسعون لاستغلال هذه النزعة في الناس من أجل تحقيق مكاسب انتخابية.

 

وإزاء تجدد هذه النزعة، يصبح اللجوء إلى مناشدة الناس ودعوتهم إلى التعقل موضوعا في غاية الأهمية. فلو أدرك الناس مدى اعتباطية نشوء النزعة القومية، فإنهم سيدركون وقتها أن المفهوم مثير للسخرية. أكثر من ذلك، فإذا كان مفهوم القومية بالأساس نتاجا لقدرة الإدراك المعرفي الإنساني، فإنه ينبغي لهذا الإدراك أن يكون قادرا على تفكيك هذا المفهوم.

   

 

   

غير أن القول بقدرة الإدراك المعرفي على تفكيك المفهوم هو من باب التمني فحسب، لأنه في الحقيقة حتى عند إدراكنا بمدى اعتباطية العديد من الروابط الاجتماعية، فإن ذلك لن يفيد كثيرا في إضعاف تلك الروابط. في الواقع، عالم النفس هنري تاجفيل، الذي نشر أبحاثا في السبعينيات أطلق على هذا التوجه "نموذج المجموعة الأدنى". وللتعرف على هذا التوجه، ما علينا سوى أن نأخذ مجموعة من الغرباء ثم نقسمهم بصورة اعتباطية إلى مجموعتين من خلال إجراء القرعة عن طريق قطعة معدنية. بالطبع سيدرك المشاركون بأن هذا التقسيم لا قيمة له، لكنهم مع ذلك يصبحون خلال دقائق أكثر سخاء وثقة تجاه أعضاء مجموعتهم. والحال كذلك، فإن جاذبية ذهنية "نحن مقابل الآخرين" تظل قوية حتى عندما تكون اعتباطية الفوارق الاجتماعية واضحة للعيان، فما بالك عندما يتم تعزيزها ضمن سردية معقدة تتحدث عن الولاء لأرض الأجداد. على كل حال، يصعب أن تجادل الناس في مواقف لم يعتنقونها بالأساس عن طريق العقل.

 

لهذا فقد لا تستطيع المجتمعات الحديثة الفكاك من النزعة القومية وغيرها من أشكال التشرذم في المجتمعات الإنسانية. وبالتالي، سيكون أكثر نفعا للإنسانية لو عملت على تسخير طاقات هذه الظواهر بدلا من الانشغال بمحاربتها وإدانتها. وبدلا من تشجيع أفكار تدعو للتعصب للوطن وكراهية الغرباء، يجب على الزعماء أن يتوجهوا لمخاطبة الميول الفطرية للناس داخل المجموعة بطريقة تحفزهم على التعاون والمساءلة والعناية بإخوانهم في الإنسانية. تخيّلوا لو أن الإنسان القومي بدلا من أن يفاخر بقدرة بلاده العسكرية أو تجانسها العرقي، كان يفاخر بقدرة بلاده في العناية بكبار السنّ وتنشئة أطفال يسجلون معدلات عالية في اختبارات التعاطف الإنساني، أو أن بلاده تعمل على ضمان حرية الحراك الاجتماعي.

 

لو ساد مثل هذا التوجه الإيجابي لأصبحت النزعة القومية أفضل من أي تصور آخر يقوم على أساطير الضحية أو يحلم بالانتقام من الأعداء. مع ذلك، فمع رسوخ نزعة تفضيل الأقوى على المألوف في أذهاننا، لن يستعصي على جنسنا البشري أن يخوض حربا لإثبات أي البلدان تقوم بأكثر الأعمال النبيلة في مجال الكرم. وإذا كان الأمر كذلك، فمن غير المحتمل أن يستطيع الناس تجاوز مساوئ النزعة القومية في أي وقت قريب.          

-------------------------------------------------------------       

ترجمة: منصور سليمان

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs // ميدان



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أوقات الصلاة
الفجر 05:06
الظهر 12:32
العصر 03:59
المغرب 06:36
العشاء 07:58