قصة هستيريا السل في أميركا.. يوم ربط بمصاصي الدماء
قصة هستيريا السل في أميركا.. يوم ربط بمصاصي الدماء

الأحد | 27/10/2019 - 08:00 مساءً

ما بين عامي 1786 و1800، عرفت مناطق إقليم نيو إنجلد بالشمال الشرقي للولايات المتحدة الأميركية وفاة ما لا يقل عن 2 بالمئة من سكانها بسبب مرض السل. وببعض القرى بفيرمونت وكونيتيكت، أدخل هذا المرض الرعب على قلوب الناس بسبب أعراضه والموت البطيء الذي سببه لضحاياه وإبادته لعائلات بأكملها.

وخلال فترة سبقت انتشار نظرية جرثومية المرض، آمن الأهالي بنظريات غريبة لتفسير الأزمة، فألقوا باللوم على الموتى واتهموا ضحايا مرض السل المدفونين بالمقابر بالعودة للحياة لقتل بقية أفراد عائلاتهم الأحياء، لتبدأ على إثر ذلك حالة هستيريا ربطت بين مرض السل ومصاصي الدماء.

صورة معاصرة لقبر ميرسي لينا

ولمنع الموتى من العودة ونشر السل، لم يتردد كثير من سكان نيو إنجلند في إعادة فتح القبور للتخلص مما تبقى من الجثث عن طريق حرقها. وبمقبرة شاسنوت هايل (Chestnut Hill) بقرية إكستر بولاية رود آيلند، اتجه السكان سنة 1892 لفتح قبور كل من السيدة ماري براون وبناتها ماري أوليف، البالغة من العمر 20 عاما، وميرسي لينا (Mercy Lena)، البالغة من العمر 19 عاما، اللواتي فارقن الحياة عقب إصابتهن بالسل.

وعند فتح القبور، اكتشف الأهالي تحلل وتعفن جثتي ماري براون وماري أوليف وصدموا عند مشاهدة جثة ميرسي لينا التي كانت جثتها شبه سليمة، واحتوت على بقايا دم خاثر ولوحظ نمو بأظافرها.

وهكذا بدأت حالة هستيرية اتهمت خلالها جثة ميرسي لينا بنشر المرض ونقل العدوى نحو شقيقها الأصغر إدوين. على إثر ذلك، أقدم الحاضرون على تنظيم طقوس غريبة فانتزعوا قلب الجثة السليمة وأحرقوه وقدّموا بقاياه لإدوين لإنقاذه إلا أن الأخير لم ينج ليفارق الحياة بسبب تبعات مرض السل بعد أسابيع قليلة.

رسم تخيلي لأحد المصابين بالسل وهو يحتضر

في المقابل، قدّم أحد أطباء تلك الفترة تفسيرا منطقيا وعلميا حول جثة ميرسي لينا، مؤكدا أنها لم تتحلل كما يجب بفضل الطقس البارد ومكان دفنها الرطب.

وشهدت نيو إنجلند منذ أواخر القرن 18، العديد من الحالات المماثلة. فسنة 1793 أقدم متعهد الكنيسة إسحاق بورتن (Isaac Burton) المقيم بولاية فيرمونت على استخراج جثة زوجته الأولى راشيل، التي توفيت بسبب السل، عقب مرض زوجته الثانية هولدا. فمارس على الجثة بعضا من التقاليد الغريبة التي تضمنت حرق بقاياها، إلا أن جهوده كللت بالفشل حيث فارقت زوجته الثانية الحياة خلال الأيام التالية.

أيضا، عرفت مقاطعة وندسور بنفس الولاية حادثة مشابهة جذبت أنظار العديد من السكان سنة 1817، حيث أقدم رجل على استخراج جثة ابنه المدعو فريدريك رانسوم، عقب وفاته بسبب السل، وأحرق بقاياه وقدّمها لبقية أفراد عائلته على الطعام. إلا أن ذلك لم يكن كافيا لإنقاذهم، فخلال السنوات القليلة التالية خسر هذا الرجل زوجته وبناته الثلاث بسبب المرض.

صورة لعالم البكتيريا الألماني روبرت كوخ

وعلى حسب العديد من المؤرخين، شهدت منطقة نيو إنجلند أكثر من 80 حالة فتح للقبور ما بين أواخر القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ويؤمن كثيرون أن هذه العادة الغريبة للمداواة قد حلّت واستقرت بنيو إنجلند قادمة من أوروبا الشرقية والدويلات الألمانية بفضل عدد من المسافرين والمهاجرين.

كما رجّح البعض بداية دخول هذه العادة للمنطقة سنة 1784، واعتمدوا لتأكيد ذلك مقالا يعود لتلك الفترة بإحدى صحف ولاية كونيتيكت اشتكى من خلاله مسؤولون بالولاية من رجل أجنبي عمد لفتح القبور ونشر فكر غريب بالولاية.

واختلفت تقاليد التصدي لمرض السل ومصاصي الدماء بنيو إنجلند، فبينما عمد البعض لحرق البقايا، لم يتردد كثيرون في فتح القبور لقطع رأس الجثة أو تثبيتها داخل القبر عن طريق طرق مسامير بأجزاء منها أو إطلاق النار عليها.

كاريكاتير ساخر بإحدى الصحف سنة 1892 حول حادثة فتح القبور بولاية رود آيلند

وقد بقيت هذه التقاليد راسخة لحدود سنة 1892، واعتبرت قصة ميرسي لينا آخر حالة حيث اندثرت النظرية التي ربطت بين السل وجثث الموتى بفضل انتشار نظرية جرثومية المرض وأعمال الطبيب وعالم البكتيريا الألماني روبرت كوخ (Robert Koch).



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أوقات الصلاة
الفجر 04:45
الظهر 11:24
العصر 02:18
المغرب 04:39
العشاء 06:04