نصف مساحة الأردن وناتج زراعي يفوق 100 مليار دولار.. كيف أصبحت هولندا ثاني أكبر مُصَدِّر زراعي في العالم؟
نصف مساحة الأردن وناتج زراعي يفوق 100 مليار دولار.. كيف أصبحت هولندا ثاني أكبر مُصَدِّر زراعي في العالم؟

الثلاثاء | 27/10/2020 - 11:00 صباحاً

في حقل ما بالقرب من حدود هولندا مع بلجيكا، يجلس مزارع هولندي، في مقصورة آلة زراعية، ضخمة أمام لوحة إلكترونية تبدو وكأنها تنتمي لمركبة فضائية آتية من المستقبل. من مكانه هذا يراقب مزرعته بدقة، عبر طائرتين بدون طيار تغطي سماء الحقل وترسل له قراءات مفصلة عن وضع التربة، وكمية الماء، ونسبة المغذيات، ومدى نمو المزروعات! بينما يتجول جرار آلى في المزرعة، ليقطف حبَّات البطاطس الناضجة، إذ يبلغ متوسط إنتاجية البطاطس لكل فدان أكثر 20 مرة من إنتاجية الضيعات الفلاحية العادية.

كانت هولندا آخر دولة أوروبا عانت من المجاعة في فترة الحرب العالمية الثانية، عندما أودى «شتاء الجوع الهولندي» بحياة ما يصل إلى 20 ألف شخص خلال الأشهر الأخيرة من احتلال الألمان، منذ ذلك الحين قرر الهولنديون إنتاج كمية الطعام مضاعفة باستخدام موارد أقل، لتجنب تكرار مأساة الجوع.

 

بعد عقود من الابتكار والعمل الجاد، أضحت تقنيات الزراعة في هولندا اليوم وكأنها من المستقبل، وأصبح هذا البلد الأوروبي الصغير، الذي لا تتعدى مساحته ربع مساحة تونس الخضراء؛ ثاني مصدر للمنتجات الزراعية في العالم بعد أمريكا.

فعلى الرغم من أن هذا القطاع لا يبدو مربحًا بشكل كبير؛ فإن الهولنديين تمكنوا من تطوير قطاع زراعي فعال ومستدام يسود العالم بأسره، ويدرُّ أكثر من 100 مليار دولار سنويًّا من الأرباح.

تصدر هولندا بشكل رئيسي الزهور ونباتات الزينة، والألبان والبيض واللحوم، والخضراوات، وهي منتجات صحية خالية بنسبة 90% من المبيدات الكيميائية. كما تستأثر هولندا وحدها بثلث التجارة العالمية في تصدير بذور الخضراوات.

قد يبدو هذا الإنجاز طبيعيًّا بالنسبة لبلد يمتلك مساحة شاسعة وقوة عاملة كبيرة، لكن هولندا تفتقد لكليهما معًا، فمساحتها أصغر من مصر 24 مرة، وأصغر من المغرب 11 مرة، وربع مساحة تونس، أما عدد ساكنتها فيساوي تقريبًا سُدس سكان مصر، ونصف سكان المغرب. ومع ذلك وعندما نعقد مقارنة من حيث القيمة المالية للإنتاج الزراعي، نجد أن هولندا تتفوق عل كل من مصر والمغرب، اللذين من المفترض أنهما بلدان زراعيان، حوالي خمس مرات!

رغم شح الموارد.. كيف تمكنت هولندا من تحقيق قفزة زراعية هائلة؟

إذا ما نظرنا إليها من السماء، لا تشبه هولندا أي بلد زراعي كبير، حيث من المنتظر أن نرى ضيعات غير متناهية الأفق، بل فقط يظهر خليط مجزأ من المزارع الصغيرة، تتخللها المدن والضواحي الصاخبة، إلا أن سر تفوق الفلاحة الهولندية يكمن في الجودة العالية والكفاءة، وهو إنجاز لم يكن ليتحقق لولا المجاهدة في استصلاح الأراضي، واستخدام التكنولوجيا والبحث العلمي في الزراعة.

استصلاح الأراضي واستغلال المساحة لأقصى درجة ممكنة

تقول المقولة المأثورة في هولندا: «بينما خلق الله الأرض، صنع الهولنديون هولندا»؛ إذ يقع جزء كبير من هولندا تحت مستوى سطح البحر مما يجعلها عرضة للغرق، ولذلك تسمى بـ«الأراضي المنخفضة».

كافح الهولنديون طوال قرون مياه البحر التي تغزو أرضهم باستمرار، عن طريق السدود وقنوات المياه، ودائمًا ما كانت المياه تزحف باتجاههم وتقتطع من أرضهم. بيد أنه في عام 1953، ضرب فيضان مدمر هولندا وقتل الآلاف وأهلك الزرع والماشية، مما دفع الحكومة الهولندية إلى بدء مشروع هندسي، هو الأضخم من نوعه، من أجل دحر مياه البحر إلى الوراء.

بعدها بسنوات أُنشئ المشروع، المعروف باسم «درع حماية بحر الشمال»، وهو يتضمن بناء سدود كبيرة وحواجز العواصف عبر البحر، بالإضافة إلى نظام معقد من الممرات المائية والبوابات للتحكم بمجرى المياه. ويعد هذا الإنجاز الهندسي الآن إحدى عجائب الدنيا السبع في العالم الحديث، وفقًا للجمعية الأمريكية للمهندسين المدنيين.

بفضل هذا البناء الهندسي الضخم، استعادت هولندا عام 1986 مقاطعة كاملة جديدة من البحر، سُميت بـ«فليفولاند»، ثم عمل الهولنديون في تجفيف المستنقعات عن طريق القنوات والمضخات، لتهيئتها للسكن والزراعة.

مكَّنت أعمال استصلاح الأراضي على مدى عقود هولندا من إضافة أراضٍ فلاحية جديدة، واليوم بات ثلث مساحة هولندا تقريبًا صالحًا للزراعة، بينما فقط 2.8% من أراضي مصر صالحة للزراعة بسبب التصحر، وفقط 17.5% من الأراضي بالمغرب صالحة للزراعة، حسب بيانات موقع وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA).

لا تحضر «أهمية المساحة» فقط عند إدارة الدولة الهولندية فقط، بل هي ثقافة مجتمعية تسعى لاستغلال المكان إلى أقصى قدر ممكن وبأفضل طريقة لأجل الزراعة، إذ نجد في كل بيت وزاوية في هولندا مزارع عائلية صغيرة، تقام في أسطح المنازل والحدائق وحتى قبو البيوت، بعض العائلات تسعى بهذه الطريقة فقط للاكتفاء الذاتي في الخضراوات، وأخرى تتخذها عملًا ربحيًّا، وهكذا تحولت المدن الهولندية إلى ما يشبه حديقة كبيرة في تناغم مثالي بين الطبيعة وبراعة الإنسان.

مثلما تلجأ بعض الشركات الهولندية إلى استئجار أراضٍ فلاحية في بلدان أخرى للزراعة والاستثمار، وتُعد شركة «جرين بارك» لاعبًا بارزًا في هذا الشأن، والتي تعمل على مدار الساعة في شحن أطنان الفواكه والخضراوات الطازجة من مزارعها المتفرقة في عدة بلدان، إلى ميناء روتردام، وهناك تجري تعبئتها، ثم نقلها إلى الأسواق في جميع أنحاء العالم.

توظيف التكنولوجيا الذكية.. أهلًا بكم في «زراعة المستقبل»

لا يكفي الاستغلال المثالي للمساحة الصغيرة لجعل هولندا رائدة عالميًّا في الزراعة، بل يتطلب ذلك قدرًا كبيرًا من الابتكار والتكنولوجيا العالية؛ ما يكفي للتغلب على المساحة المحدودة والقوة العاملة المحدودة، وفي الوقت نفسه مضاعفة الإنتاج مرات مضاعفة.

للحصول على فكرة حول كيفية عمل المزارع الهولندية يجدر بنا أخذ إطلالة على مزرعة «Duijvestijn» في ويستلاند، وهي منطقة هولندية مستصلحة من البحر.

في هذه المزرعة الزجاجية المغطاة، والتي تمتد على مساحة 14 هكتارًا، تزرع بذور الطماطم العالية الإنتاجية في أكياس صغيرة من الصوف المعدني بدل التربة، وهي مادية ليفية تتيح سيطرة دقيقة في عملية تغذية النباتات، حيث تزدهر الطماطم على مدار الساعة وسط بيئة مثالية، تشبع فيها التقنيات الذكية حاجات النبتة بدقة متناهية، من خلال التحكم الأوتوماتيكي في ممرات المياه والمواد العضوية، والسقف الزجاجي المزود بمصابيح «LED» لتوفير الضوء والحرارة، ومرشحات ثاني أكسيد الكربون المهم للنباتات.

لا يُستخدم في هذه المزرعة أي مبيدات كيماوية، بل تُطلق أسراب من عدة أنواع من الحشرات في الممرات الزجاجية للتعامل طبيعيًّا مع الآفات والطفيليات التي تهدد الثمار. وعلى بعد كيلومترات من المنزل يمكن لمسيري المزرعة الاطمئنان على المزروعات من خلال تطبيق هاتفي، ومراقبة وضعيتها، والتحكم ببيئة المزرعة كاملة.

تنتج هذه المزرعة 100 مليون طن سنويًّا، بمعدل 70 كيلوجرامًا من الطماطم لكل متر مربع، أي أكبر بما لا يقل عن 10 أضعاف متوسط​​محصول حقول الطماطم المفتوحة في المغرب، رغم أن هذه المزرعة الهولندية تستخدم مياهًا أقل بثماني مرات من الضيعات العادية، ولا تستعمل مبيدات حشرية، وهي مثال واحد فقط من المزارع المتطورة الكثيرة في هولندا.

ويمكن القول بأن الهولنديين أصبحوا قادة العالم في مجال الابتكار الزراعي، ورائدي مسارات جديدة لمكافحة الجوع، ولم يعد المناخ والطقس يتحكمان في المزارع، بل تزرع المحاصيل على مدار الساعة، وتستعمل التقنيات الذكية لتوجيه المغذيات للنبتة بدقة شديدة، مثلما توظف أفضل الطرق لترشيد المياه ومساعدة النباتات على الازدهار بأقل ضرر على البيئة.

واليوم تقود هولندا الطريق في مجال التكنولوجيا الزراعية، وتستوطنها حوالي 5300 شركة تعمل في هذا القطاع، بما في ذلك 12 من أكبر الشركات الزراعية الغذائية في العالم.

«وادي السيليكون» في أمريكا أما «وادي الغذاء» ففي هولندا

يبدأ الكثير من نجاح هولندا الباهر في الزراعة من مختبرات جامعة «Wageningen»، وهي إحدى مؤسسات البحث الرائدة التي تتطلع إلى إحداث ثورة في إنتاج الغذاء، والتي صُنفت أفضل معهد زراعي للتعليم العالي في العالم، وفقًا لتصنيف تايوان الوطني، ومنها انطلقت مجموعة واسعة من الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الزراعية والمزارع التجريبية، ليتشكل في هولندا ما بات يطلق عليه بـ«Food Valley»، على غرار وادي السيليكون للشركات التقنية في كاليفورنيا.

من إحدى الابتكارات المميزة لهذه الجامعة، ابتكار مركب بديل للتربة، يُسهِّل وصول المغذيات إلى النباتات بدرجة أكثر كفاءة، وفي الوقت نفسه يحول دون وجود الطفيليات والفطريات التي قد تضر المحصول.

ونظرًا إلى سمعتها الجيدة بوصفها أبرز مؤسسة بحثية في الزراعة عالميًّا؛ صارت تستقطب الطلاب من كل أنحاء العالم، حيث يأتي نصف جميع طلاب الدراسات العليا من بلدان أخرى خارج الاتحاد الأوروبي. بعض الدول، مثل الصين وإندونيسيا، تجند مئات الطلاب خصيصًا من أجل جلب المعرفة الزراعية الهولندية بغرض استثمارها في بلدانهم الأصلية، وبالفعل يشغل العديد من خريجي هذه الجامعة أعلى مستويات وزارات الفلاحة والزراعة في جميع أنحاء أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

بجانب ذلك، تهتم  الشركات الزراعية الهولندية ذاتها بالإنفاق على البحث العلمي في القطاع الزراعي، من أجل ضمان استمرار وجودها في سوق يعرف منافسة شديدة، ولدى جميع شركات الغذاء الخمس الأكبر دوليًّا مختبرات للبحث والتطوير في هولندا.

وهكذا أصبحت هولندا تصدر للعالم، ليس المنتجات الزراعية فحسب، بل أيضًا المعرفة والخبرة في هذا المجال، بوصفها دولة رائدة في الزراعة الدقيقة والمستدامة، يُعول عليها إيجاد حلول مبتكرة لإطعام مليارات الأفواه حول العالم، في زمن يشهد تغيرًا مناخيًا، وتزايدًا سكانيًّا، وتآكلًا في الموارد يهدد البلدان الفقيرة بالجوع.

 

 

المصدر: ساسة بوست



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أحدث الاخبار
أوقات الصلاة
الفجر 04:51
الظهر 11:26
العصر 02:16
المغرب 04:35
العشاء 06:01