مذبحة «باندا» في أندونسيا.. حين أبادت هولندا شعبًا بأكمله من أجل شجرة توابل!
مذبحة «باندا» في أندونسيا.. حين أبادت هولندا شعبًا بأكمله من أجل شجرة توابل!

الثلاثاء | 25/05/2021 - 12:18 مساءً

في عام 1669 وقَّع الهولنديون مع الإنجليز معاهدة بريدا التي أنهت سنوات من الصراع في «الحرب الإنجليزية الهولندية الثانية»، وتنازل الهولنديون بموجبها عن مقاطعة مانهاتن (نيويورك حاليًا)، في مقابل تنازل الإنجليز عن المطالبة بجزر باندا، الواقعة ضمن حدود إندونيسيا الحالية، لكن ما هي جزر باندا، وما هي أهميتها بالنسبة للهولنديين إلى الحد الذي جعلهم يتمسكون بها كل هذا التمسك؟

التوابل الآسيوية تلهب حماسة الأوروبيين

في الوقت نفسه الذي كان فيه الهولنديون يناضلون للحصول على حق الاستقلال من الحكم الإسباني، فيما عُرف بـ«حرب الثمانين عامًا» (1566-1648)، كانوا – وللمفارقة – يبذلون قصارى جهودهم لسلب ذلك الحق من شعوب أخرى، فعلى النمط الاستعماري الإسباني والبرتغالي وجه الهولنديون في أواخر القرن السادس عشر فتوحاتهم الاستكشافية البحرية إلى شرق آسيا، ما عُرف حينئذ بجزر الهند الشرقية، والتي تمثل حاليًا جزر الأرخبيل الأندونيسي.

من بين تلك الجزر التي استوطنها الهولنديون المتعطشون إلى اللحاق بركب القوى الاستعمارية الأوروبية كانت جزر باندا، المؤلفة من 10 جزر بركانية صغيرة على بعد ألفي كيلومتر من جزيرة جاوا الرئيسة (والتي تحتوى اليوم العاصمة جاكرتا)، كانت جزر باندا جزءًا مما عُرف بـ«جزر التوابل» أو «جزر الملوك»، المنطقة التي انفردت عن كل دول العالم بزراعة التوابل المهمة في ذلك العصر، ولذلك كانت محل تنافس استعماري بين كل القوى الأوروبية تقريبًا. 

لكن ما خلب ألباب الهولنديين أكثر كان تمتع تلك الجزر بميزة كبرى، تنفرد بها حتى عن بقية جزر التوابل، فقد كانت جزر باندا هي المصدر الوحيد في العالم أجمع لثمار نبات «جوز الطيب»، والتي ساد اعتقاد قوي في أوروبا بأن لها القدرة على علاج كل الأمراض، فضلًا عن كونها منبهًا قويًا للدماغ، ومنشطًا جنسيًا له فعالية خارقة بحسب الاعتقاد السائد في ذلك الوقت، ولأجل ذلك كان ذلك الأرخبيل الصغير، الذي يقطنه بضعة آلاف من السكان المحليين المعتمدين بشكل أساسي على زراعة وتجارة جوز الطيب، ويعيشون في قرى صغيرة تحكمها طبقة «أورانج كيا» أو «الرجال الأثرياء»، أحد أهم مصادر ثروات العالم على الإطلاق.

 

في عام 1602 وبعد سنوات قليلة من الرحلات الاستكشافية – التي أثبتت فعاليتها التجارية، وزادت من شهية الهولنديين للوصول إلى المنطقة واستغلال ثرواتها – للأساطيل الهولندية إلى جنوب شرق آسيا، قامت الجمهورية الهولندية بتأسيس «شركة الهند الشرقية الهولندية»، من أجل تنظيم وحماية حركة التجارة الهولندية مع جزر الهند الشرقية وسواحل المحيط الهندي، وجاء ذلك بعد عامين فقط من تأسيس بريطانيا كيانًا مشابهًا حمل اسم «شركة الهند الشرقية الإنجليزية».

لم يكن الكيان الهولندي – كما البريطاني – الوليد ذا أغراض تجارية بريئة تمامًا، كما قد يوحي اسمها، بل كانت الشركة أشبه بـ«دولة» بكل ما يحتمله ذلك من معان، وأبعاد اقتصادية، أو سياسية، أو عسكرية. منحت الحكومة الهولندية الشركة حق احتكار الملاحة والتجارة مع تلك المنطقة، وخولت لها الحق في إبرام المعاهدات مع الحكام المحليين، وحق بناء الحصون وتشكيل القوات المسلحة أو قوات حفظ الأمن، مع الحق في تعيين القضاة والحكام والقيام بالمهام الإدارية المختلفة لتسيير الحياة في المناطق التي تسيطر عليها.

جزر باندا.. صداع في رأس الإمبراطورية الهولندية

تألفت «شركة الهند الشرقية الهولندية» من اندماج 12 شركة هولندية كان لها نشاط تجاري سابق في تلك البقعة من القارة الآسيوية في عام 1599، وبعد عقود من التواجد البرتغالي في المنطقة والذي لم يكن مرحبًا به أبدًا من قبل السكان المحليين، ظهر الهولنديون في المشهد، ولوحوا باستخدام القوة إذا لم يُمنحوا حق احتكار تجارة ثروات المنطقة وبشروطهم، فأظهر بعض الحكام المحليين قبول مطالب الغازين الجدد، ووقعوا بعض الاتفاقات مع  الهولنديين.

لكن بمجرد أن غادرت القوارب الهولندية الميناء، عاد السكان إلى سيرتهم الأولى، كان سكان الباندا يفضلون أن يتمتعوا بحريتهم التجارية، وأرادوا الاستفادة من ثروات أرضهم قدر المستطاع بإبرام الصفقات مع من يدفع أكثر من التجار الأوروبيين أيًا كانت جنسيته، ولذلك فقد قاموا بالتعاون مع الإنجليز الذين وصلوا إلى المنطقة عام 1603، وأبرموا صفقات معهم في محاولة لإحداث التوازن ضد السلوك العدائي للهولنديين، الذين ثارت ثائرتهم بالطبع، وشعروا أن أحلام احتكارهم لتجارة التوابل وجوز الطيب من تلك الجزر على وشك أن تتحطم.

 

في عام 1609 وصل الأدميرال بيتر ويليامز فيرهوف إلى سواحل باندا على رأس جيش من مئات الجنود الهولنديين بكامل عتادهم، فضلًا عن مجموعة من المرتزقة اليابانيين، وكان الأدميرال غاضبًا من انتهاك سكان الجزر للاتفاقيات الاحتكارية مع الهولنديين، وعازمًا على بناء قلعة في باندا نيرا كبرى جزر الأرخبيل. استدرج زعماء القبائل المحلية الجنرال وقادته الذين تركوا معظم أسلحتهم وقواتهم على الشاطئ، ودخلوا إلى الجزيرة للتفاوض، لكن ذلك كان كمينًا محكمًا أعده السكان للغزاة، حيث قتل فيرهوف وقادته وحرسه، وبلغ عدد القتلى الهولنديين 26 شخصًا.

تعرض سكان باندا لحملة انتقامية من الجنود الهولنديين الذين نهبوا قراهم وممتلكاتهم ودمروا سفنهم، ليضطر القادة المحليون في النهاية إلى الاستسلام والقبول باتفاقات تُحابي الهولنديين، لكنهم سرعان ما انقلبوا على تلك المعاهدات من جديد وعادوا إلى التجارة مع الإنجليز الذين كانوا يعرضون أسعارًا أفضل، وفي إحدى رسائلهم إلى الإنجليز يصف سكان باندا حالهم بالقول:

«يحاول الهولنديون، أبناء العاهرات، بكل الوسائل الممكنة غزو بلادنا وتدمير ديننا، لهذا السبب نحن هنا جميعًا نكرههم، لذلك فإن ملك إنجلترا بدافع حبه لنا واهتمامه لنا سيساعدنا في شن حرب على الهولنديين واستعادة قلعة نيرا باند، حينها سيساعدنا الله، وسنبيع (التوابل) فقط لملك إنجلترا».

«الإبادة هي الحل»

لاحقًا وطوال أكثر من عقد كامل من الزمان سيُعيي سكان باندا المستعمرين الهولنديين أشد الإعياء. شن الهولنديون عدة حملات انتقامية ضد سكان الجزر، لكنها لم تأت بنتيجة فعالة، إذ يقاوم سكان باندا أحيانًا، أو يتظاهرون بالاستسلام للمطالب الهولندية، ثم يعودون بعد ذلك للتجارة مع الإنجليز. 

في تلك الأثناء تصاعد التوتر بين «شركة جزر الهند الشرقية الهولندية» ونظيرتها الإنجليزية، وكان على رأس الشركة الهولندية جان بيترسون كوين، أحد أقوى رجالات الاستعمار الهولندي في آسيا وأشدهم حماسًا، والذي لعب دورًا محوريًا في بناء الإمبراطورية الهولندية في جزر الهند الشرقية، وكان لدى كوين نظرية بسيطة أراد اختبارها: إنه إذا أردت التخلص من «الصداع» الذي يسببه تمرد شعب باندا، فليس أمامك سوى التخلص من شعب باندا نفسه، وبأكمله.

أبحر كوين على رأس جيش مكون من 1600 جندي هولندي، بمساعدة مجموعة من المرتزقة اليابانيين؛ إذ شن هجومًا شاملًا على  الجزيرة في مارس (آذار) 1621، وكان فارق القوة بين الطرفين هائل،ًا وتمكن جيش كوين من السيطرة على الجزيرة في غضون ساعات قليلة، وهو ما اضطر القادة المحليين إلى عقد معاهدات قبلوا بها الشروط الهولندية، لكن تلك الاتفاقات لم تصمد طويلًا، فقد انخرط السكان المحليون في «حرب عصابات» ضد الهولنديين المحتلين، الذين قرروا في هذه المرة أن ينهوا «مشكلة باندا»، وإلى الأبد.

The Painting of Banda Massacre

مذبحة باندا – مصدر الصورة: فليكر

أمر كوين رجاله ومرتزقي العصابات اليابانيين بالانتقام، إذ قُطعت رؤوس عشرات من قادة المنطقة «أورنج كايا» وعلقت أشلائهم على أعواد الخيرزان، وقتل الآلاف من السكان، إما بالقتل المباشر، أو بفعل الجوع، أو لأنهم اختاروا الإلقاء بأنفسهم من فوق المنحدرات انتحارًا من هول ما رأوه. فرت أعداد قليلة جدًا إلى الجزر المجاورة، أما الباقون فقد أخذوا إلى جزيرة جاوا المجاورة لاستغلالهم كعبيد.

للحفاظ على إنتاجية الجزر من التوابل وجوز الطيب، قام الهولنديون بـ«استيراد» العبيد من جزر الهند الشرقية، ومن الهند والصين وأفريقيا، فضلًا عن طلب المساعدة من المزارعين الهولنديين، كما أُجبر الباقون من السكان الأصليين على العمل بشروط عبودية وتعليم الوافدين الجدد طرق إنتاج المحاصيل المرغوبة. تشير التقديرات إلى أنه من بين 14 ألفًا كانوا يقطنون جزر باندا، ولم يبق سوى 480 شخصًا فقط شاهدين على إبادة كاملة تمت من أجل شجرة جوز الطيب.

 

المصادر

ساسة بوست

Dutch East India Company: Dutch trading company

The VOC genocide

عصر الإمبراطورية : كيف تتربع القوى المطلقة على عرش العالم وأسباب سقوطها 

The Hidden History of the Nutmeg Island That Was Traded for Manhattan

East Indies

Why the Banda Islands Were Once More Valuable Than Manhattan



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أحدث الاخبار
أوقات الصلاة
الفجر 05:06
الظهر 12:32
العصر 03:59
المغرب 06:36
العشاء 07:57