حرب في أوكرانيا وحرّ في الهند.. هل يواجه العالم أزمة غذاء طاحنة؟
حرب في أوكرانيا وحرّ في الهند.. هل يواجه العالم أزمة غذاء طاحنة؟

السبت | 21/05/2022 - 07:18 مساءً

منذ إطلاق أول رصاصة في الحرب بأوكرانيا، انطلقت التحذيرات الإعلامية ونقاشات الرأي العام العالمي والعربي أيضًا حول تأثير الحرب على أمن غذاء العالم والمنطقة العربية بالذات، وتحديدًا فيما يخص صادرات الحبوب، ثم ضاعف الأزمة خبر حظر تصدير القمح من طرف الهند، وقد حذرت الأمم المتحدة اليوم من أن العالم قد يواجه مجاعات تستمر لسنوات بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا.

لا تؤثر الحرب في أوكرانيا على صادرات كييف للعالم فحسب؛ بل إن العقوبات الغربية على روسيا تؤثر في صادرات موسكو بشكل عام، وصادراتها من الغذاء والمنتجات الزراعية بشكل خاص، كما أن سيطرة روسيا على أجزاء واسعة في جنوب وشرق أوكرانيا؛ بما فيها مساحات واسعة مزروعة، وسيطرتها على كثير من موانئ أوكرانيا، ومنعها من التصدير من الموانئ الأخرى المتبقية دون السيطرة عليها، يشكل ضربة قاضية للصادرات الأوكرانية. 

ولكن المفاجئ أن إنتاج روسيا وأوكرانيا مجتمعتين من القمح -مثلًا- لا يشكل إلا 73% من إجمالي ما تنتجه الصين منه؛ بحسب بيانات عام 2018، والهند تنتج نفس قيمة القمح الذي تنتجه البلدان معًا، ورغم ذلك ضربت موجة ارتفاع أسعار ملحوظة سوق القمح العالمية، قبل أن تبدأ الهند بتطبيق حظر صادرات على قمحها في 16 مايو (أيار) 2022.

وحتى لو أضفنا الإنتاج الهندي إلى إنتاج كل من أوكرانيا وروسيا من القمح؛ فإنه سيتبقى هناك كبار منتجي الحبوب بعيدون عن التأثير المباشر للأزمة، فعدا عن الصين التي هي أكبر منتجي القمح في العالم، لدينا الولايات المتحدة الأمريكية التي تنتج ضعف إنتاج أوكرانيا، وفرنسا بنسبة 40%، وكندا التي تتجاوز إنتاج أوكرانيا بـ30%، وألمانيا بإنتاج يساوي 80% من إنتاج أوكرانيا منه. 

وهذا كله بخصوص القمح فقط؛ فماذا عن بقية غذاء العالم؟ كيف يتوزع إنتاجه وتصديره على الدول المختلفة؟ وكم هي حصص كل من روسيا وأوكرانيا والهند من إنتاج وتصدير هذه المنتجات الغذائية بالنسبة للعالم؟ ولماذا يعتبر أي نقص أو انقطاع من هذه الدول مجتمعة، أو دولة واحدة منها خطرًا على الأمن الغذائي العالمي، حتى لو بقي المنتجون الكبار دون ضرر؟ 

أكبر الدول المنتجة والمصدرة للغذاء في العالم

لا يقتصر إنتاج الغذاء في العالم على الحبوب، ولأن الغذاء يقاس بسعره؛ وليس بالكمية المُنتجة ومدى كفايتها لعدد كبير من الناس، فإن ذلك يعني أن بعض الدول قد تنتج غذاء ذا قيمة كبيرة، دون أن يعني ذلك أن هذه القيمة كافية لإطعام عدد كبير من الناس، فمثلًا؛ لو أمكننا أن نطعم 10 أشخاص باستخدام 100 دولار بوجبات مكونة من اللحم، فإنه قد يمكننا إطعام 100 شخص بنفس التكلفة؛ على فرض إنفاق هذا المال على الحبوب بدلًا من اللحم. 

كما أن بعض أهم الدول المنتجة للغذاء تستهلك جزءًا كبيرًا من إنتاجها داخليًّا، فمثلًا تشكل الصين ما نسبته 18.5% تقريبًا من سكان العالم، لكنها لا تنتج إلا 17.4% من مجمل إنتاج القمح العالمي، بينما تنتج روسيا أقل من 10% من القمح في العالم؛ ولكن سكان روسيا لا يمثلون إلا أقل من 2% من سكان العالم. 

ومن حيث الإنتاج؛ تعد كل من الصين، والهند، والبرازيل، والولايات المتحدة الأمريكية أكبر أربع دول منتجة للغذاء في العالم، وهي مجتمعة تشكل النسبة الأكبر من إنتاج الغذاء العالمي، ولكن هذه الدول أيضًا تشكل 43% من سكان العالم. 

 

لذلك علينا في هذا التقرير الاهتمام أكثر بصادرات الغذاء لا بإنتاجه، وبالدول الأكثر تصديرًا للغذاء، لفهم أبعاد الأزمة المحتملة اليوم، مع التركيز خصوصًا على الفروقات بين الشعوب في حميتها الغذائية؛ فمنطقتنا تعتمد كثيرًا على القمح مثلًا، بينما القمح أقل أهمية بالنسبة لشعوب أخرى في حميتها الغذائية، وتستهلك أنواعًا أخرى من المحاصيل؛ مثل الذرة، والبطاطس، والأرز وغيرها من المحاصيل. 

كما أن الخرائط توضح عدم حصول ضرر كبير على أنواع أخرى من الغذاء؛ مثل اللحوم والفواكه والخضروات، فالفواكه والخضروات -مثلًا- يجري إنتاج أغلبها بعيدًا عن المناخ البارد السائد في كل من روسيا وأوكرانيا، وبالتالي لم تطلها تداعيات الحرب. 

تصدير الغذاء حول العالم

لو أردنا التكلم عن القيمة الكلية لصادرات الغذاء؛ فلن تختلف الصورة كثيرًا عن إنتاجه، فالدول الثلاثة التي يتركز حولها النقاش اليوم باعتبارهم سببًا لأزمة غذائية محتملة في العالم (أوكرانيا وروسيا والهند) لا يشكلون نسبة كبرى من تصدير الغذاء مقومًا بالدولار حول العالم، ولا تقع أي من هذه البلدان ضمن أكبر قائمة 10 مصدرين للغذاء حول العالم. 

فبينما تصل نسبة الصادرات الغذائية حول العالم إلى حوالي 700 مليار دولار من الغذاء؛ بحسب بيانات عام 2019، إذ تصدر الولايات المتحدة وحدها 12% من إجمالي صادرات الغذاء العالمي، وتصدر الدول العشرة الأكبر ما يقارب نصف غذاء العالم، وقائمة هذه الدول تضم على الترتيب: الولايات المتحدة، وألمانيا، وبريطانيا، والصين، واليابان، وفرنسا، وهونلدا، وكندا، وبلجيكا وإيطاليا. 

بينما تحتل روسيا المرتبة الحادية عشرة، وبنسبة 2% من إجمالي الإنتاج العالمي، وأوكرانيا في المرتبة الثامنة والثلاثين وبنسبة 0.6%، وأخيرًا تحتل الهند المرتبة السابعة والأربعين، وبنسبة 0.42%، والدول الثلاثة مجتمعة لا تشكل أكثر من 3% من إجمالي التصدير العالمي، فلماذا إذن الخوف من أزمة عالمية؟

قد ننخدع بالبيانات الكلية؛ لأنها تعكس صورة القيمة النهائية للصادرات، لا لكميات الغذاء المصدرة، ولا أهميتها في الحمية الغذائية لمختلف سكان العالم، أو لجزء منهم على الأقل، لذلك تظهر صادرات بعض الدول من الغذاء بقيمة عالية جدًّا، رغم أن ما تنتجه من الغذاء قد لا يشكل مكونًا أساسيًّا للحمية الغذائية، وجزء آخر منه قد يسهل استبداله مثلًا. 

لذلك فالأزمة الحالية تدور حول القمح تحديدًا، ويظهر من بيانات مستورديه أن غالبية هذا الاستيراد يأتي أساسًا من دول أفقر في العالم، وتحديدًا في قارة آسيا، التي تليها كل من أفريقيا وأمريكا الجنوبية في الاستيراد، إذ تضم قائمة أكبر 10 مستوردين للقمح كلا من: إندونيسيا ومصر في مرتبة متقاربة، وتركيا، والصين (رغم أنها أكبر منتج للقمح لكن عدد السكان الضخم يجعلها من أكبر مستورديه أيضًا)، والجزائر، وبنجلادش، والمغرب، ونيجيريا، والبرازيل والفلبين. 

فالحبوب جزء أساسي لا يمكن تعويضه من الحمية الغذائية لسكان هذه الدول والمناطق من العالم، وعند التركيز على هذه النقطة تحديدًا يصبح منطقيًّا افتراض إمكانية حصول أزمة غذاء عالمية نتيجة للحرب الأوكرانية والحظر الهندي، حتى لو لم يكن ثمن القمح كبيرًا جدًا، لأن العالم لا يستطيع ببساطة رفع إنتاج القمح وتعويض المفقود من هذه الدول. 

 

 

وتظهر بيانات تصدير القمح الأهميةَ الكبرى للدول الثلاثة في العالم في تصدير هذا المحصول تحديدًا، فروسيا هي أكبر مصدر للقمح في العالم بناء على بيانات عام 2021، وأوكرانيا هي الدولة الخامسة، بينما الهند الدولة العاشرة الأكثر تصديرًا، وتصدر هذه الدول الثلاثة قرابة ربع صادرات العالم من القمح طبق أحد التقديرات، بينما يقدر البنك الدولي أن روسيا وأوكرانيا وحدهما مسؤولان عن 29% من صادراته في العالم، ومع الهند فمن المرجح أن الدول الثلاثة تشكل ثلث صادرات القمح العالمية. 

مثّل القمح مصدرًا مستقرًا للغذاء والطاقة للبشر منذ 10 آلاف عام، وهو يمثل بين 15-20% من إجمالي الطاقة المطلوبة لسكان العالم، رغم وجود محاصيل وأنواع غذاء أخرى حول العالم، وتفاوت اعتماد سكان العالم على هذا المحصول تحديدًا، وذلك يعني أن بعض الدول -وخصوصًا النامية منها- تعتمد على الحبوب بنسب أكبر من الأخرى، إذ يمكن استهلاك الحبوب بكميات ضخمة جدًا وبسعر منخفض جدًا مقارنة باللحوم والألبان وغيرها من أنواع الغذاء. 

لذلك ورغم عدم وجود خوف كبير من نقصان إمدادات الغذاء بشكل عام في العالم، فإن الخوف من نقص القمح وحده خطر حقيقي على العالم، رغم انخفاض قيمة الصادرات الكلية الممكن انقطاعها، إذ إن انقطاع جزء فقط من إمدادات القمح يعني أنّ الدول التي تعاني من هذا الانقطاع ستتجه إلى مصادر أخرى للطلب عليها، وهذا الطلب الفائض على الموارد المحدودة الأخرى يعني ارتفاع الأسعار بشكل كبير، خصوصًا لو لم تستطع الدول إيجاد حل مناسب في الوقت القريب، فرفع إنتاج القمح يحتاج سنوات عديدة، واستثمارات كبيرة في الأرض القابلة للزراعة؛ نظرًا لمحدوديتها. 

ورغم عدم وجود خوف مماثل من انقطاع إمدادات الغذاء من غيرها من المنتجات؛ فهذا لا يعني عدم تأثرها بانخفاض الإمدادات على شكل ارتفاع كبير في الأسعار؛ وخصوصًا الزيوت النباتية، والتي تحتل كل من روسيا وأوكرانيا مرتبة ضمن أكثر 5 دول تصدر هذه المنتجات في العالم.

ما سياق أزمة القمح العالمية ومداها المحتمل؟

يختلف ما يحصل في روسيا وأوكرانيا بسبب الحرب والعقوبات، عما يحدث في الهند؛ وإن لم يكن معزولًا عن الحرب في أوكرانيا، فالهند مشهورة عالميًّا بفرض تقييد على تصدير المنتجات الغذائية؛ لكنها ليست الوحيدة، فدول مختلفة تحاول الاستئثار بما تستطيع إنتاجه لنفسها خوفًا من الانقطاعات المحتملة، في القمح وغيره من المنتجات، وهذا يشمل بعض الدول التي تستورد الغذاء أكثر مما تصدره، وتشمل قائمة الدول التي فرضت قيودًا على صادرات الغذاء كلا من مصر، والأرجنتين، والجزائر، وتونس، وتركيا، وإندونيسيا وغيرها، كما أن كلا من روسيا وأوكرانيا قررتا منع تصدير بعض المواد الغذائية حتى عند القدرة على التصدير. 

لكن سياق قرار الهند حظر تصدير قمحها ليس ناتجًا فقط عن الحرب في أوكرانيا؛ ولكن أيضًا لأن الهند كانت ترغب برفع تصديرها من القمح بشكل كبير جدًا، وبنسبة 40% خلال الموسم القادم، لكن موجة الحر التي ضربت الهند أدت إلى خفض الإنتاج عن المتوقع، بعد أن فتحت الباب على اتفاقات مع دول أخرى لاستيراد القمح منها، ما أدى إلى ارتفاع الطلب أكثر من الإنتاج المتوقع؛ وبالتالي ارتفاع السعر المحلي للقمح في الهند. 

 

 

وعمد بعض المزارعين إلى بيع قمحهم بشكل فردي في السوق السوداء لتحصيل مكاسب من ارتفاع السعر، بدلًا من بيعه إلى الدولة، وهو ما أدى إلى ارتفاع مخاطر انخفاض الأمن الغذائي الهندي، لكون الدولة ترعى برامج لتوفير الخبز لمواطنيها. 

ومثلت الهند سابقًا فرصة مهمة لتعويض جزء من النقص الذي تحدثه الأزمة الأوكرانية، وحتى على فرض توقف القتال؛ فإن المحصول الأوكراني تضرر بشكل كبير، ولن يكون بمقدور أوكرانيا تعويض النقص الحاصل بسبب القتال وخسارة الأراضي في وقت قريب ودون دفع ثمن كبير لذلك. 

بسبب كل هذا؛ فإنه وحتى الآن لا بديل عن السماح بتدفق القمح الروسي للعالم، بل وربما أيضًا السماح لروسيا ومواليها في الأراضي التي يسيطرون عليها في أوكرانيا بتصدير القمح الواقع تحت سيطرتهم، دون السماح للعقوبات بالتأثير في ذلك؛ أو السماح بموجة من نقص القمح تحديدًا في العالم، مع احتمالية ارتفاع نسب الجوع ونقص التغذية في بعض مناطق العالم، وارتفاع كلف شراء الغذاء على جميع مناطق العالم -باستثناء الدول التي تستطيع الحكومة فيها التدخل لمنع ذلك- وخصوصًا على الفئات الأفقر من السكان. 

 

المصادر

Agricultural Production

War in Ukraine is driving up wheat prices worldwide

Mapped: Food Production Around the World

4 Countries That Produce the Most Food

Wheat Exports by Country

The Impact of the War in Ukraine on Food Security | World Bank Expert Answers

The Two Faces of Wheat

India isn’t the only one banning food exports. These countries are doing the same

What India's u-turn on wheat exports means for world markets Read more at: https://economictimes.indiatimes.com/news/economy/agriculture/what-indias-u-turn-on-wheat-exports-means-for-world-markets/articleshow/91599487.cms?utm_source=contentofinterest&utm_medium=text&utm_campaign=cppst



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أحدث الاخبار
أوقات الصلاة
الفجر 03:54
الظهر 12:42
العصر 04:23
المغرب 07:50
العشاء 09:30