“أعجوبة الميكروبيوم”.. أسرار كائن حي يحيينا ويقتلنا من الداخل
“أعجوبة الميكروبيوم”.. أسرار كائن حي يحيينا ويقتلنا من الداخل

الأربعاء | 06/09/2023 - 10:08 مساءً

على مدار التاريخ، انشغل العلماء بالقضاء على الأمراض التي تُصيب الإنسان، على أمل صناعة مستقبل خالٍ من الأمراض، يعيش فيه كثيرون في مساكن حيوية مبنية من الفطر والبكتيريا، ويتعرضون بشكل مستمر للطبيعة، من أجل تقوية جهاز المناعة.

وفي هذا المستقبل المنشود، يستخدم الناس منذ ولادتهم أجهزة مسح متطورة لتحليل حمض الميكروبات التي تعيش في أحشائهم (DNA)، وبناء على هذه البيانات يُقدّم الأطباء للمرضى تشكيلات من البكتيريا النافعة، حتى تبقى نظيرتها الضارة تحت السيطرة، فيمنعون الأمراض قبل وقوعها.

وباستخدام التقنيات المتطورة لتعديل الميكروبات داخل جسم الإنسان تكاد الأمراض الحديثة أن تُصبح شيئا من الماضي. ويعرض فيلم “أعجوبة الميكروبيوم” -الذي بثته الجزيرة الوثائقية- جهودَ العلماء في الاستفادة من الميكروبات النافعة أملا في مستقبل يُصبح فيه العالم خاليا من الأمراض.

“هليكوباكتر”.. ميكروب يحمل القرحة إلى معدة الإنسان

تخصصت طالبة الدكتوراه “جوليا ريفي” في علم الأعصاب لأن جدتها وبعض عماتها أُصبن بمرض ألزهايمر، مما دفعها لمحاولة العثور على علاج بأي ثمن، وقد انجذبت إلى الأبحاث الحديثة التي تربط أمراض الدماغ بالميكروبات في أجسامنا، وهو ميدان بدأ يحظى باهتمام بحثي كبير.

فالميكروبات كائنات حية دقيقة لا تراها العين المجردة، تستطيع أن تُسبب عددا من الأمراض المعدية، كما تفعل البكتيريا والفيروسات. لكن السؤال: ماذا سيحدث إذا قضينا على جميع الكائنات الدقيقة في الجسم؟ وكيف ستغدو صحة المجتمع؟ لمعرفة الإجابة يجب -في المقام الأول- أن نعرف كيف تسبب الميكروبات الأمراض؟

الطبيب “باري مارشال” الفائز بجائزة نوبل عن أبحاثه الرائدة في مجال سرطان المعدة

التقت “جوليا ريفي” في مدينة بيرث الأسترالية، بالطبيب “باري مارشال” الذي فاز بجائزة نوبل عن أبحاثه الرائدة في مجال سرطان المعدة، وفتح آفاقا جديدة لفهم هذا المرض.

يبحث “باري” اليوم عن ميكروب ضار يُدعى “هليكوباكتر”، وهي بكتيريا تدخل أحشاء الحيوانات وتصيبها بالضرر، وتصل أنواعها إلى نحو 30 نوعا. ويسعى الطبيب الأسترالي إلى معرفة مصدر “هليكوباكتر” بالبحث عنها في حيوانات متنوعة. وعبر تحليل براز حيوان كنغر، يحصل “باري” على عينة من الكائنات الدقيقة التي تعيش في أحشائه.

الميكروب الضار “هليكوباكتر” هو بكتيريا تدخل الأحشاء وتصيبها بالضرر

وقد حملت رحلة البحث “باري” وزميله “روبن ورن” على إعادة النظر فيما يريان الآن أنه خرافة، وهو التصور السائد في أوساط الأطباء بأن التوتر هو سبب قرحة المعدة. وعندما فحصوا هذه القرحة لدى أحد المرضى بالمجهر توصلوا إلى نتائج مدهشة؛ فقد وجدوا أن عامل المرض هو “هليكوباكتر بيلوري”، وهو “هليكوباكتر” متحور يُصيب البشر، ووجوده في معدة الإنسان يفنّد الفهم الطبي السائد منذ عقود الذي يُشير إلى أن معدة الإنسان لا يعيش فيها شيء وأنها بيئة عقيمة لهذا النوع من البكتيريا.

ومن أجل إثبات أن هذه البكتيريا يمكنها أن تُصيب المعدة السليمة، قرر الدكتور “باري مارشال” أن يشرب البكتيريا، وقد أُصيب فعلا بقرحة المعدة بعد 10 أيام، وهو تشخيص أسعده بقدر ما آلمه، فهو يؤكد فكرة أبحاثه.

 بكتيريا “هليكوباكتر” هي سبب قرحة المعدة، وإذا تركت دون علاج فإنها ستتسبب بالسرطان

يقول الدكتور “باري مارشال” إنهم وجدوا أن “هليكوباكتر” فريد من نوعه؛ فهو يصنع “الأمونيا”، ويُحيّد “حمض الهيدروكلوريك” وبهذا يبقى حيّا. وعندما تثبت هذه البكتيريا نفسها داخل المعدة تُسبب الإصابة بالقرحة، وإذا تُركت دون علاج، فإنها تُسبب السرطان.

اشترك في

النشرة البريدية

نأتيكم بآخر الأخبار من كل أنحاء العالم وقت حدوثها بدقة وحيادية

اشترك

عند قيامكم بالتسجيل، فهذا يعني موافقتكم على سياسة الخصوصية للشبكة

وتبيّن أن المضادات الحيوية تستطيع قتل “البيلوري” وعلاج القرحة خلال أسابيع. وبالقضاء على الميكروبات التي تُسبب قرحة وسرطان المعدة، تصنع أبحاث “باري مارشال” مستقبلا خاليا من الأمراض قبل الإصابة بها.

ميكروبات الأمعاء.. مكونات تبقي أجسادنا صحيحة

سوف تكون الأبواب الخارجية لمعظم المنازل في المستقبل مزودة بأجهزة مسح ترصد الميكروبات الدخيلة، فعندما يدخل الأشخاص المنزل، تمسح الأجهزة أجسامهم بحثا عن الميكروبات الضارة. وفي حال رصد هذه الميكروبات، يبادر روبوت الصحة المنزلية إلى تقديم العلاج المناسب على الفور.

في المستقبل القريب سوف تكون الأبواب الخارجية لمعظم المنازل مزودة بأجهزة مسح ترصد الميكروبات الدخيلة

المستقبل الخالي من الأمراض فكرة جذابة، لكن ماذا سيحدث لو قضينا على كل الميكروبات؟ يقول عالم الأحياء ومدير متحف “ميكروبيا” في أمستردام “غاسبر بويكس”، إن عدد الميكروبات في جسم الإنسان عشرة أضعاف عدد الخلايا فيه، أي أن المكون الميكروبي في الجسم أكثر من الإنساني.

وقد طوّر متحف “ميكروبيا” تقنية لتجسيد هذا العالم غير المرئي الذي أطلق العلماء عليه اسم “الميكروبيوم”، فالإنسان يحمل نحو 100 ألف مليار ميكروب، يعيش 99% منها في الأمعاء. ويرى علماء أن الميكروبات هي أهم مكون في كينونة الإنسان؛ فهي التي تهضم الطعام، وتنتج مختلف أصناف الفيتامينات والهرمونات، وهي ضرورية لنمط حياة كل منا.

عدد الميكروبات في جسم الإنسان يبلغ عشرة أضعاف عدد الخلايا فيه، ويتجمع أكثرها في المعدة

تقول عالمة الأحياء في جامعة “روتجرز” الدكتورة “ماريا غلوريا دومينغيز بيلو” إن الميكروبات جزء منا، ولن نكون أصحاء من دونها. وقد بدأت دراستها للميكروبيوم في أدغال الأمازون، حيث ركزت على السكان الأصليين الذين يعيشون في عزلة منذ 20 ألف سنة.

جمعت “غلوريا” عينات من الجلد والفم والبراز، لقياس أثر البيئات الخارجية التي يعيش فيها البشر على أنظمتهم البيئية الداخلية، ووجدت أن التنوع في “الميكروبيوم” لدى الأفراد الذين يعيشون في أدغال الأمازون أعلى منه كثيرا لدى سكان المدن في الدول الصناعية.

بسبب خلطتهم بالطبيعة، يملك سكان الأدغال تنوعا ميكروبيا أكبر بكثير من سكان المدن

في المقابل، عندما ينتقل سكان أدغال الأمازون إلى المدن، فإنهم يفقدون تنوعهم الميكروبي بسرعة، وهذا يقود إلى استنتاج أن التحضر يقضي على التنوع في “الميكروبيوم”، وهو تنوع مفيد للمعدة؛ فثمة ارتباط قوي بين الصحة وارتفاع درجة تنوع “الميكروبيوم” في الأحشاء.

أطفال القيصريات.. أجساد محرومة من ميكروبات الأم

لا يتعرض الجنين للميكروبات أثناء وجوده في الرحم، وقد تبيّن أن اكتساب الميكروبات يبدأ مع ولادة الطفل، إذ يتعرض -حينئذ- للميكروبات بكثافة، ثم يحدث التصاق الجلد بالجلد، وهو تعرض ثانوي، ثم تبدأ الأم بتقبيل الطفل، وهو تعرض آخر. تبدأ المجموعة الأولى من البكتيريا بتدريب المناعة، فيتعرف جهاز المناعة على البكتيريا النافعة فلا يهاجمها.

في الولادة القيصرية يخرج الطفل من الرحم دون المرور بقناة الولادة مما يمنعه من اكتساب الميكروبات

من جانب آخر، تشهد الولادات القيصرية إقبالا متزايدا، فقد قفزت نسبتها من 6% فقط إلى 21% من الولادات حول العالم منذ عام 1990. وفي هذه الولادة يخرج الطفل من الرحم دون أن يمر بقناة الولادة، وهذا يعني أن هؤلاء المواليد ينتقلون مباشرة من الرحم الخالي من الميكروبات إلى جو غرفة العمليات. وقد اكتشفت “غلوريا” أن هذا قد يزيد أخطار الإصابة بعدد من الأمراض الحديثة كالربو والسكري من النوع الأول والحساسية والسمنة.

وتعد السنوات الثلاث الأولى بعد الولادة مهمة جدا للتنوع الميكروبي السليم، وهو أمر يجهله كثير من الآباء والأمهات الجدد. كما كشفت أبحاث “غلوريا” أن الإفراط في استخدام المضادات الحيوية للقضاء على الميكروبات الضارة في مقتبل العمر يخلق مشكلة أسوأ مما كنا نتوقع، فعلى الرغم من نجاحنا في مكافحة الأمراض المعدية، فإننا ألحقنا الضرر بالميكروبيوم، كما عرّضنا أطفالنا لخطر الإصابة بالأمراض المزمنة أكثر مما مضى.

استخدام المضادات الحيوية مع الأطفال يعرضهم للإصابة بالأمراض المزمنة

يتفق الدكتور “مارتن بليزر” -وهو مدير مركز التقنيات الحيوية والطب في جامعة “روتجرز”- مع زوجته الدكتورة “غلوريا” على أننا بالغنا كثيرا في تقدير قيمة المضادات الحيوية، لكن ماذا لو كانت مضرة؟ ثمة أدلة متزايدة على أننا نفقد التنوع الميكروبي، وأنه في تراجع مستمر.

ويقول إنه في حين يسعى معظم الأطباء في العالم إلى التخلص من “الهليكوباكتر” بوصفه مصدرا للشر، وهو كذلك حقا؛ فإننا اكتشفنا أيضا أن للبكتيريا كثيرا من الفوائد.

حماية الأطفال.. وسائل مختلفة بين الطفولة والبلوغ

يقول الدكتور “مارتن بليزر” إن الأفراد الذين لا يحملون “الهليكوباكتر” يصابون بأمراض أكثر في المريء، وأن الأطفال الذين لا يحملون “الهليكوباكتر” يعانون من الربو أكثر من غيرهم.

وقد رافقت بكتيريا “بيلوري” الإنسان منذ آلاف السنين، أما اليوم فلا يحملها سوى 5% من الأطفال في الولايات المتحدة. وإذا كانت “بيلوري” تسبب سرطان المعدة وتحمي من الربو أيضا، فأيهما نختار؟

مطعوم بكتيريا “الهليكوباكتر” يساعد الأطفال على التخلص من الربو

يبدو أننا قد لا نضطر للاختيار؛ إذ يتوقع الدكتور “مارتن بليزر” أن يُقدّم “الهليكوباكتر” للأطفال حتى نحميهم من أمراض كالربو، وسيتعين علينا القضاء عليه عندما يبلغون سن الأربعين حتى لا يصابوا بسرطان المعدة، وبالتالي فإننا نتعامل مع هذه الجرثومة بطريقتين مختلفتين؛ في الطفولة وعند البلوغ.

وقد تشكل مقاربة “غلوريا” و”مارتن” وسيلة للقضاء على الأمراض الحديثة.

وفي المستقبل القريب، سوف يُولد معظم أطفال المستقبل في المنزل، وعند الحاجة إلى عملية قيصرية، سوف يُعرّض المولود للميكروبات المأخوذة من قناة الولادة لدى الأم. ومنذ سن الطفولة سوف يتلقى الجميع جرعات من الميكروبات النافعة، كما يتلقون المطاعيم التي لا تؤخذ إلا في الحالات الشديدة، وسيتوقف الإفراط في استخدام المضادات الحيوية.

صناعة التوازن.. معركة غير متكافئة بين الإنسان والميكروب

إذا كان المستقبل الخالي من الأمراض يعتمد على إدارة التوازن بين الميكروبات النافعة والضارة، فإن لما نضعه في أجسامنا أثرا كبيرا على “الميكروبيوم”. ويبحث الدكتور “روب نايت” -من جامعة “كاليفورنيا سان دييغو”- عن طرق لإيجاد توازن أفضل في “ميكروبيوم” الإنسان عبر تسلسل الحمض النووي “دي إن أيه”.

مستقبلا، سيتلقى الأطفال جرعات من الميكروبات النافعة للحد من الإفراط في استخدام المضادات الحيوية

وتُظهر الأرقام أنها مهمة مخيفة، فجينوم الإنسان يحتوي على 20 ألف مُورّث فريد، بينما الميكروبيوم يحتوي على ملايين المورثات. ونحن في صدد التعرف على دور هذه المورثات في تشكيل شخصياتنا.

يعمل “روب” في مشروع طموح، فقد شارك في تأسيس مشروع ضخم لجمع وتحليل عينات براز من جميع أنحاء العالم، وهو يعمل الآن على تسلسل “دي إن إيه” الميكروبات من مجموعة متنوعة من الناس، ويغوص في أعماق “الميكروبيوم” البشري أكثر من أي وقت مضى، ولا سيما في تعامل الميكروبات مع الغذاء. بالتزامن مع ذلك، يعمل فريق “روب” على تزامن “دي إن إيه” الميكروبات التي تستعمر مأكولاتنا، ويحلل ويقارن أثرها على الميكروبات في جسم الإنسان.

 جامعة “كاليفورنيا سان دييغو” تدشن مشروعا ضخما لجمع وتحليل عينات براز من جميع أنحاء العالم

يقول “روب” إن الطرق التي تؤثر بها نوعية الغذاء على “الميكروبيوم” هي من الأشياء التي فاجأت فريقه؛ إذ يؤثر عدد أصناف النباتات التي تناولتها في الأسابيع الماضية، وإن كانت وجباتك يغلب عليها المذاق الحلو أو المالح.

يختلف “الميكروبيوم” من شخص إلى آخر؛ فهو كالبصمة ذو طبيعة فريدة، ويتجاوب بطرق متفاوتة، وله دور في كيفية تجاوب الأفراد مع الأدوية، مما يُفسّر الكثير من التفاوت بين الأفراد. ويمكن أن يؤثر “الميكروبيوم” لدى فرد معين على فعالية علاجات مرض باركنسون أو ارتفاع الكوليسترول وغيرهما من الأمراض. ومن شأن الفهم الدقيق لهذه العلاقة المعقدة أن يؤدي إلى إنجازات كبيرة في مجال الرعاية الصحية.

“ميكروبيوم” السمنة.. عدو فتاك يهدمك من الداخل

تُجري طالبة الدكتوراه “جوليا ريفي” تجربة مهمة، إذ ستتناول وجبات سريعة لثلاثة أيام، ثم ستتناول خضراوات متنوعة لثلاثة أيام أخرى، وتأخذ عينة بعد كل منهما لترى هل طرأ تغير على “الميكروبيوم”؟

طالبة الدكتوراة “جوليا ريفي” تنفذ تجربة تناول خضروات متنوعة لثلاثة أيام لقياس التغير في كمية “الميكروبيوم”

أحضرت “جوليا” هذه العينات للدكتور “جاك غيلبرت”، أحد مؤسسي مشروع الأحشاء الأمريكي، ويُجري فريقه أبحاثا للتعرف على العلاقة المحددة بين “الميكروبيوم” وبين إصابة الجسم بالأمراض. وعلى الرغم من قصر مدة الدراسة، فإنها تكفي لرؤية بعض التغيرات في بدايتها.

وعن العلاقة المعقدة بين الميكروبات والطعام والمرض، يقول الدكتور “جاك” إنه إذا كان لديك “ميكروبيوم” يدعم السمنة مثلا، فسوف يجعلك سمينا بإنتاج مواد كيميائية تُغيّر علاقتك بالطعام، وسيحتاج الشخص إلى الالتزام بحمية جديدة لمدة عام تقريبا للقضاء على تلك الميكروبات، ويجب التحول إلى “ميكروبيوم” لا يدعم زيادة الوزن.

عينات براز من فئران سمينة تتسبب في زيادة وزن فئران نحيلة سليمة 

ولدراسة العلاقة بين “الميكروبيوم” والوزن، أخذ باحثون عينات براز من فئران سمينة، ونقلوها إلى أحشاء فئران نحيلة سليمة، فأدى ذلك إلى تغير “ميكروبيوم” الفئران السليمة التي زاد وزنها بعد النقل وأصبحت سمينة، فتبيّن أن بكتيريا الأحشاء تُسهم إسهاما كبيرا في تنظيم الأيض داخل الجسم.

يرى “جاك” أن اعتياد “الميكروبيوم” على التغذية الرديئة يؤثر سلبا على الإنسان، ويؤدي إلى إصابته بعدد من الأمراض المستعصية، كما يُؤثر على أمراض كالسكري والسمنة، وربما الاكتئاب والقلق أيضا. وتُشير دراسات مماثلة للميكروبيوم أُجريت على الفئران إلى وجود صلة بين ميكروبات الأحشاء ومرض ألزهايمر، إذ يمكن لهذه الميكروبات أن تؤثر بطرق مختلفة على ما يحدث داخل الدماغ.

العصب المبهم هو عصب طويل يربط الأمعاء بالدماغ ويشكل قناة اتصال باتجاهين

والعصب المبهم هو أحد هذه المسارات، وهو عصب طويل يربط الأمعاء بالدماغ ويشكل قناة اتصال باتجاهين. وتشير الأبحاث إلى أن الإشارات الواردة من الدماغ يمكن أن تسبب أمراض الجهاز الهضمي، بينما قد تتسبب إشارات الأحشاء في تغيير المزاج. كما يتصل الدماغ والأحشاء بجهاز المناعة في الجسم، وهذا مرتبط بمرض ألزهايمر وباركنسون، كما تؤثر الميكروبات في الأحشاء على كيفية عمل جهاز المناعة.

فحص المرحاض الآلي.. مستقبل مبهر في منازلنا

يعكف “جاك” على تطوير تقنية جديدة ستسمح للأفراد بتتبع العلامات الحيوية في “ميكروبيوم” أحبائهم من المنزل. وقد طوّر الباحثون مقعدا للمرحاض يجمع عينات البراز آليا، ثم يزودنا بانتظام بمعلومات محدّثة عن الميكروبات ووظائفها الحالية.

باحثون يطورون مقعدا للمرحاض يجمع عينات البراز آليا ويزود الأطباء بمعلومات محدثة عن الميكروبات

وقد يتمكن الباحثون لاحقا من إخبارنا بأصناف الغذاء التي ينبغي علينا تناولها، وقد نصبح قادرين بعد ذلك على منع المرض من التطور في المقام الأول، عبر تغيير تركيبة الميكروبات في أحشائنا، وهو أمر سيشكل تطورا هائلا في فهمنا لصحة الإنسان.

وجد العلماء في تجاربهم أن الوجبات السريعة المقلية والدهنية تؤثر سلبا على توازن “الميكروبيوم”، لذا فإنهم ينصحون دائما بالالتزام بالمأكولات الصحية وتناول المزيد من الألياف. ومن خلال تحليل وتحسين وإدارة “الميكروبيوم” في أجسامنا، نستطيع إبعاد الأمراض عنا في المستقبل.

تطوير فرشاة أسنان لقياس تسلسل “دي إن إيه” لمليارات الميكروبات في القناة الهضمية

وفي المستقبل، سوف يجري كثيرون فحوصاتهم الصحية بأنفسهم عبر فحص “الميكروبيوم” في المنزل، وسوف تفحص فرشاة الأسنان تسلسل “دي إن أيه” لمليارات الميكروبات في القناة الهضمية، وتنقل البيانات عبر شبكة من الأجهزة، بما يسمح للأفراد باستلام مواد غذائية ترسل لهم آليا، وتحقق لهم المتطلبات الصحية المثلى. كما سترتبط هذه البيانات بأجهزة لصرف الأدوية، وتعمل على معايرة الوصفات للتنويع وتعزيز جهاز المناعة.

زراعة البراز.. أمل للشفاء من المطثية العسيرة

بما أن الدراسات أظهرت أن زراعة “الميكروبيوم” يمكن أن تنقل الأمراض من حيوان إلى آخر، فهل لها أن تشفي من الأمراض أيضا؟

الإجابة نعم، إذ تعمل “كارولين إدلستين” من خلال مؤسسة “أوبن بيوم” على محاربة بكتيريا تُدعى “المطثية العسيرة” التي تتسبب في أمراض مهددة للحياة، وتحارب المؤسسة هذه البكتيريا عن طريق زراعة براز الإنسان.

بكتيريا “المطثية العسيرة” تصيب نصف مليون أمريكي سنويا، وتصل نسبة الوفاة بسببها إلى 30%

وعن هذه البكتيريا، تقول “كارولين” إنه عندما يدخل شخص المستشفى لمدة طويلة، فإنه يتلقى كثيرا من المضادات الحيوية ويصاب بالمرض، وعندما يتناول الإنسان المضادات الحيوية بكثرة فإنه يقضي على كثير من الميكروبات التي تعيش في أحشائه، وبذلك تنتشر بكتيريا “المطثية العسيرة” وتنتج السموم التي تسبب المرض. ومن الصعب قتل هذه البكتيريا والتخلص منها لأنها تكون “أبواغا” سامة صغيرة، وهي من أشد الأسلحة فتكا لدى “المطثية العسيرة”.

يصاب بـ”المطثية العسيرة” نصف مليون أمريكي سنويا، وتصل نسبة الوفاة إلى 30%. تقول “كارولين” إنه يمكن معالجة “المطثية العسيرة” غالبا بزراعة البراز، إذ نأخذ عينة براز من شخص سليم تحتوي على تريليونات البكتيريا التي تعيش في الأحشاء، ونزرع هذه الكتلة البكتيرية في قولون المريض حتى تقضي على مسببات المرض. فإعادة التوازن والتنوع إلى “الميكروبيوم” وعودة البكتيريا النافعة إليه سوف تحد من الإصابة بـ”المطثية العسيرة”.

ملاعبة الطبيعة.. تدريبات تقوية الجهاز المناعي

يبحث العلماء الآن في إمكانية استخدام هذا العلاج مع أمراض السمنة واضطرابات المناعة الذاتية. وهذه الأساليب العلاجية الجديدة التي تقوم على إحداث التوازن في “الميكروبيوم” هي التي تشكل مستقبل العالم الخالي من الأمراض.

وفي العيادة يُستبدل “ميكروبيوم” المريض بالكامل ليحل مكانه “ميكروبيوم” جديد، فيُعيد الجسم هندسة نفسه محفزا إياه على اتباع العادات الصحية في الطعام، ويزيد رغبته في ممارسة التمارين ويجعل ذهنه أكثر تركيزا.

علاج الميكروبات الخطيرة غير الاعتيادية يبدأ بتفاعل المريض مع البيئات الطبيعية غير المعقمة

يقول الدكتور “جاك غيلبرت” -وهو أب لطفل مصاب بالتوحد- إن الدراسات أظهرت أن المصابين بالتوحد لديهم ميكروبات غير اعتيادية في أحشائهم، ولذلك فإنه يعمل على إعادة التوازن والتنوع الحيوي الميكروبي لابنه ولسائر المصابين بالتوحد، بتطوير مكمّل غذائي لتحسين صحته، يجعله يأكل الكثير من الألياف، ومكملات الحمض الزبدي، و”أوميغا 3″، لمساعدته على تنظيم سلوكه وصحته.

ينصح الأطباء سكان المدن أن يتفاعلوا مع الطبيعة كي تكتسب أجسامهم تنوعا ميكروبيا

وقد وجد “جاك” أن الطريقة الأنجع لتعزيز التنوع الميكروبي هي زيادة تفاعل الإنسان مع البيئات الطبيعية غير المعقمة، ويقول إن الأطفال يحتاجون إلى التفاعل الجسدي مع البيئة، لأن ذلك ما يشكل كيفية عمل جهازهم المناعي، وهو ما يحميهم من أمراض الحساسية والربو، وربما أيضا السمنة والأمراض العصبية كالاكتئاب والقلق، ولذلك يرى أن السماح للأطفال باللعب بالتراب والتعرض للحيوانات هو أفضل وصفة لصحتهم.

إنسان الريف.. أجساد مصممة لمكافحة الأمراض

لاستقصاء العلاقة بين التنوع الميكروبي والبيئة الطبيعية، درس “جاك” مجموعتين من سكان الولايات المتحدة هما “الآميش” و”الهوتيرتيين”، وهم يعيشون حياة ريفية بحتة ولا يحبون التكنولوجيا، فلا يستخدمون الكاميرا ولا التلفاز ولا غيرهما، لكن ثمة فارقا واحدا بين المجموعتين؛ فأطفال “الهوتيريتيين” لا يتفاعلون مع حيوانات المزرعة، على عكس أطفال “الآميش” الذين يحلبون الأبقار ويعملون مع الحيوانات.

وتبلغ نسبة المصابين بالربو في صفوف “الآميش” 4% فقط، وهي نصف النسبة العامة في أمريكا، بينما ترتفع نسبة الإصابة بين “الهوتيريتيين” إلى أكثر من ذلك.

نتائج لدراسة الإصابة بالربو على مجموعتين من البشر إحداهما تتفاعل مع الطبيعة والأخرى لا تفعل

وبناء على هذه النتائج، يبحث مختبر “جاك” عن وسائل لتمكين الأفراد الذين يعيشون في بيئات حضرية مُعقّمة، لكي يعيدوا لأجسامهم التنوع الميكروبي المتاح في المزرعة، وتقوم الاستراتيجية التي يتبعها على إنتاج مواد سطحية حية مُزوّدة بالبكتيريا نستطيع أن نضعها داخل المنزل أو المستشفى؛ بحيث تنال الجدران الخصائص النافعة التي توفرها المزرعة.

ويبدو الوصف شبيها بالخيال العلمي، لكننا ربما نستطيع في المستقبل أن نبني مدنا كاملة من مواد حية، وربما نبني سفنا فضائية كذلك، ويتعاون “جاك” مع “ناسا” لبحث ما إن كانت تلك المواد مفيدة للرحلات الفضائية الطويلة إلى المريخ على سبيل المثال.

سفينة نوح.. حفظ الميكروبات قبل فوات الأوان

إذن فالعلاقة بين الإنسان والميكروبات معقدة؛ وعلينا أن نوازن بين النافع والضار، كما يجب أن ندرك أهمية “الميكروبيوم” الإنساني لصحة كل فرد فينا، والوقت يمضي بسرعة، ففي زمن إزالة الغابات والاتجاه للمدينة حول العالم علينا أن نحافظ على تنوع الميكروبات التي تُشكّل “الميكروبيوم” الإنساني قبل فوات الأوان.

ومن أجل ذلك أُطلقت مبادرة تُدعى صندوق “ميكروبيوتا” وهو بمثابة سفينة نوح للميكروبات، إذ يجمع التنوع الميكروبي من الأفراد، ويخزن فيها لمدة طويلة في موقع معزول، وبالتالي يمكن استخدامه في المستقبل لإعادة توازن “الميكروبيوم”، لأننا نعلم يقينا أنه في طريقه للاختفاء.

في مبادرة صندوق “ميكروبيوتا” يتم جمع التنوع الميكروبي من الأفراد وتخزينه لمدد طويلة

ويُوفّر الصندوق ممرا مهما لإيجاد عالم خالٍ من الأمراض في المستقبل. وسوف يتسلح العلماء بهذه الكمية الضخمة من الميكروبات لإيجاد سبل جديدة لتحسين “الميكروبيوم”، وبالتالي تحسين صحة الجميع عن طريق تدريب جهازنا المناعي على مهاجمة السرطان، ومعالجة الاكتئاب والسمنة والسكري وألزهايمر، وسيكون لذلك أثر جوهري على تعاملنا مع الأمراض الحديثة، وهو ما يُشكّل ثورة في الطب.

 

المصدر: الجزيرة نت



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أحدث الاخبار
أوقات الصلاة
الفجر 03:54
الظهر 12:42
العصر 04:23
المغرب 07:50
العشاء 09:30