الثروات القطبية تنذر بحرب باردة شمال العالم
الثروات القطبية تنذر بحرب باردة شمال العالم

السبت | 23/07/2011 - 10:04 صباحاً

 لأن استراليا واقعة في أقصى جنوب العالم.. فقد ظلت تصدق عليها منذ اكتشفها المغامر الإنجليزي «كابتن كوك المقولة الشهيرة:

- إنها تلك القارة.. الموجودة.. هناك.

وبمعنى أنها لا تكاد تخطر على أذهان الساسة أو المفكرين أو رجال الدولة إلا بين حين وحين.

تصدق نفس المقولة على موقع في شمال العالم هذه المرة.. هو جزيرة غرينلاند التي تضمها دائرة القطب الشمالي وتغطي الثلوج معظم أراضيها ولا تكاد بدورها ترد على اهتمامات الشأن العام إلا بين حين وحين.

 ثمانية أخرى

لكن ما قولنا الآن وقد ظلت أوساط هذا الشأن الدولي الكوكبي العام تردد مؤخرا اسم هذه الجزيرة الشمالية القطبية التي ما برحت تنعم بقدر من الدفء القصير والمحدود مع أشهر الصيف التي يتلظى العالم بقيظها اللافح في هذه الأيام.

كيف لا وقد شهدت مدينة «نووك» عاصمة غرينلاند فعالية بالغة الأهمية التأم عقدها في شهر مايو الماضي تحت لافتة لقاء «مجموعة الثمانية».

هي بالأدق مجموعة «النيو- ثمانية» بمعنى أنها بخلاف المجموعة الأشهر التي درج العالم على التعامل معها طيلة السنوات الماضية باعتبار أنها تضم الدول الثمان بالذات من غرب أوروبا + الولايات المتحدة، التي تنعم فضلا عن اليابان بأقوى وربما أغنى اقتصادات في عالمنا، ومن ثم تتابع دوائر المال والسياسة والأعمال اجتماعاتها بشغف زائد واهتمام عميق.

بيد أن مجموعة النيو- ثمانية التي التقت مؤخرا في غرينلاند كان لها شأن آخر وإن كان من واجب العالم كما نتصور بل كما نؤكد أن يوليها قدرا لا يستهان به من الشغف والاهتمام.

 8 دول قطبية

نتحدث عن الدول الثماني التي تطل أراضيها على شواطئ منطقة القطب الشمالي وقد عقدت أحدث مؤتمراتها تحت شعار لابد وأن يوليه العالم كل اهتمام وهو: «التعاون في عمليات الإنقاذ والبحث الدولية في منطقة القطب الشمالي».

ثم ركز المجتمعون على أهمية إبرام اتفاق ملزم فيما بينهم يجسد هذه الأهداف مع إسناد الرئاسة الجديدة لمؤتمرهم إلى دولة السويد.

وبديهي أن مجموعة الدول المذكورة أعلاه ليست بالجديدة.. فالقطب الشمالي ليس بالمنطقة المستجدة على الكرة الأرضية.. ومن ثم فقد دأبت تلك الاجتماعات على الالتئام في سنوات مضت دون أن تحوز قدرا ملحوظا من اهتمام العالم.

فما الذي استجد إذن على أبعاد الصورة؟

هذه المستجدات يمكن تلخيصها في عاملين أساسيين:

الأول: عامل ذاتي تجسد في زيارة هي الأولى من نوعها قام بها إلى الاجتماع القطبي المذكور وفد أمريكي رفيع المستوى ضم وزيرة الخارجية «هيلاري كلينتون» ومعها وزير الداخلية «رن سالازار» إضافة إلى لفيف من أهم الاختصاصيين والمستشارين (المعروف أن وزير داخلية أميركا لا يختص بأمور الأمن ولا أعمال الشرطة فتلك قضايا من اختصاص مكتب المباحث الفيدرالي وشرطة الولايات والمقاطعات بالدرجة الأولى ــ فيما يغطي اختصاص الوزير المذكور القضايا المتصلة بصيانة السواحل والساحات الخضراء والغابات والأهوار والأغوار المائية وما إليها).

رسالة واشنطن

أما العامل الموضوعي فيتمثل فيما رصده المحللون السياسيون من أن أميركا قررت هذا العام أن تبعث برسالة إلى المجموعة القطبية بل والى العالم بشكل أعم مؤداها أن أصبح القطب الشمالي محورا لا سبيل إلى تجاهله من محاور اهتمام واشنطن وخاصة في ضوء ما أصبح مؤكدا من خلال البحوث العلمية والدراسات الاستكشافية من أن المنطقة القطبية تحوي احتياطيات هائلة وأكثر من واعدة من ركازات النفط والغاز الطبيعي إلى جانب معادن ثمينة أخرى لا غنى عنها لتحريك عجلة الصناعة والحضارة في طول عالمنا وعرضه على السواء.

ليس صدفة إذن أن يعمد المراقبون إلى مقارنة الحالة الراهنة في القطب الشمالي بحالة سبق وأن شهدتها أميركا ذاتها منذ أواخر القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين.

الحالة كانت اندفاعا.. جنونيا في بعض الأحيان وقد صوره الكوميديان شارلي شابلن في واحد من أشهر أفلامه، لاستكشاف واستغلال مناجم الذهب في كاليفورنيا غربي الولايات المتحدة وقد أطلقوا عليها في تلك الأيام الشعار القديم: البحث عن الذهب (Gold Rush).

أما الحالة القطبية الراهنة فقد اختار لها المراقبون شعارا يقارب في الجرس والإيقاع هو: البحث عن البرودة (Cold Rush).

وهو يشير بداهة إلى الاندفاعة الجديدة في الفيافي القطبية القارسة والبوادي الثلجية الباردة بحثا عن ذهب.. أسود هذه المرة سائلا كان أو غازيا في بعض الأحيان.

 

جدل الكارثة

من جانبنا نستطيع أن نتعامل مع هذه الأنشطة القطبية الموشكة على التفاعل والتشابك والتنفيذ من منظور يمكن أن نطلق عليه الوصف التالي: جدل الكارثة.

وبمعنى أن تغيّر المناخ الكوكبي بكل ما قد يصاحبه أو يسببه من ارتفاعات حرارة الأرض وانصهار جبال الجليد السرمدية وزيادة منسوب سطح البحر واضطراب الدورات المائية في العالم بين ظواهر الفيضان.. أو التسونامي الآسيوي أو الجفاف الأفريقي كل هذه السلبيات الفادحة.. أصبح لها وجه نسبي من الإيجابيات التي باتت مجموعة الثمانية التي ألمحنا إليها تتلمظ لاستثمارها في هذه الأيام.

فالحاصل أن ارتفاع حرارة القطب الشمالي أدت إلى تخلخل وزوال أو انصهار طبقات الجليد الأزلية الكثافة والسماكة من فوق سطح المنطقة القطبية.. ومن ثم أصبح المجال أكثر من مهيأ لمزاولة ما شاء البشر أن يزاولوه من أنشطة البحث والاستكشاف والتنقيب والاستخراج بالنسبة للثروات المرتقبة من النفط والغاز وسائر الموارد الطبيعية الواعدة ولدرجة تكاد تنذر بنشوب «حرب باردة» من نوع جديد في تلك المناطق القصية، والغنية من شمال العالم.

 

التعاون والسلام

صحيح أن الفرقاء يبادرون في مؤتمراتهم إلى رفع شعار أثير ينادي بجعل القطب «منطقة تعاون وسلام» بدلا من أن تكون منطقة نزاع أو «صِدام» إلا أن راصدي هذا الشأن بالذات لا يسعهم أن يتجاهلوا ما تتخذه دول تلك المنطقة من تدابير وإجراءات بعضها ينتمي إلى مضمار البحث العلمي ولكن بعضها يدخل في باب الاستعدادات العسكرية.

وإلا كيف نفسر مثلا أن دولة وادعة مثل النرويج باتت ترصد اعتمادات طائلة بشكل غير مسبوق، سواء من أجل تنفيذ عمليات سوبر تكنولوجية لاستكشاف ومسح جبال المنطقة أو لبناء 5 فرقاطات بحرية هي الأحدث من نوعها بهدف نشرها في أنحاء المنطقة؟ أو نفسر ما سجلته المراصد العسكرية للبحرية الأمريكية من أن روسيا زادت من أنشطتها في اختبار أحدث أنواع الصواريخ اللازمة لعمليات تباشرها في هذه الأصقاع المتجمدة.

ويرتبط بهذا الموقف أيضا تلك الجهود المحمومة التي ما برحت موسكو تبذلها كي تستبعد الصين من أي تعامل مع المجموعة القطبية التي نعرض لها في هذا المبحث خاصة وأن بيجين لا تنفك تطالب بالانضمام إلى المجموعة الشمالية المذكورة ولو بصفة مراقب طبعا إلى أن يفتح الله يوما بالمزيد خاصة وأن الصين لم تقصر في مطارحة الغزل السياسي والتقرب الدبلوماسي مع حكومة غيرينلاند نفسها باعتبار أن أرض الجزيرة المذكورة تحوي أنواعا من الفلزات الطينية التي يحتاج الأمر إليها في صناعة وإنتاج الهواتف الخليوية المحمولة فضلا عن أدوات ومعدات أخرى عالية التقنية كما يقول المراقبون.

 استفزاز كندا

لقد تابعت جريدة «الجارديان» البريطانية وقائع المؤتمر القطبي الأخير ونشرت في عددها الصادر في 6 يوليو الحالي مقالة بحثية ضافية شملت تحذيرا بقلم «تيري ماكالستر» من نُذر اندلاع سباق تسلح في مناطق القطب الشمالي. وقد نقلت الجارديان هذا التحذير على أساس ورقة بحثية أصدرها في الآونة الأخيرة المعهد الكندي لقضايا الدفاع والشئون الخارجية.

وبمناسبة كندا.. فقد أعربت من جانبها عن التحفظ بل والاستياء إزاء نتائج الرحلة التي قام بها المستكشف الروسي «آرثر شلنغاروف» الذي جاب في عام 2007 أنحاء القطب الشمالي واختتم رحلته يومها بأن غرس العلم الروسي في قاع البحر القطبي قائلا أمام الصحفيين:

كان من واجبنا أن نثبت أن القطب الشمالي ما هو سوى امتداد للأرض الروسية.

صحيح أن موسكو سارعت إلى ترضية أو طمأنة الجيران الذين استبد بهم شعور الاستفزاز وقالت يومها أن المسألة لم تكن سوى «حركة مسرحية من جانب الأخ «شلنغاروف» الذي ذكرت روسيا أن رحلته تمت برعاية وتمويل من القطاع الخاص.. لكن الذي لم تعرض له موسكو هو أن المستكشف الروسي ما لبث أن أصبح في عام 2008 نائبا محترما في البرلمان، فما بالنا وقد أنعم الكرملين عليه بلقب «بطل الاتحاد الروسي».

 روسيا وأميركا

وربما كان الأخطر في هذا السياق هو ما يعمد إليه القطبان الأساسيان وهما روسيا وأميركا من استخدام غواصات تعمل بالطاقة النووية وتبعث بهما كل من واشنطن وموسكو إلى تلك المياه القطبية لإجراء دوريات تجمع بين الاستكشاف والتأمين وتأكيد النفوذ إلى حد بعيد.

وفيما تستقل أميركا بخططها النفطية التي ربطتها بسياستها الخارجية وعلاقاتها الدولية وخاصة مع المصادر الأساسية في الشرق الأوسط.. وفيما تعتز روسيا بكونها أكبر مصدّر لإمداد أوروبا الغربية الاتحاد الأوروبي بمعظم الاحتياجات الحيوية من النفط والغاز (نصف الواردات النفطية للاتحاد وثلث وارداته من الغاز يأتي من هذا المصدر الروسي بالذات)، فما زال هذا الطرف الغرب أوروبي في حال من الالتماس الحثيث المحموم أحيانا لمصادر من هذه المحروقات الاحفورية من أجل إشباع احتياجاته المتزايدة في الحاضر والمستقبل.

في هذا السياق بالذات تعلق جريدة الجارديان قائلة:أصبحت المصالح التجارية المتنافسة في منطقة القطب الشمالي تتسم بمزيد من التشابك والتعقيد نظرا لغياب اتفاق شامل بين الأطراف حول مَن يملك ماذا.. من هنا فكثير من تلك البلدان تعكف حاليا على تقديم مطالبات متنافسة (بمعنى متعارضة) تطالب فيها بمساحات من أراضي هذه المنطقة القطبية.. وهي تبعث برسائل رسمية في هذا الشأن إلى الأمم المتحدة بدعوى أن هذه المطالبات تمثل في التحليل الأخير جزء لا يتجزأ أو حقا مشروعا في رأي تلك الدول تجيزه اتفاقية الأمم المتحدة الشهيرة لقانون البحار.

 تحذير الأميرال

وفيما تبعث هذه الخطوات على شيء من الاطمئنان إلى سيادة السكينة في تلك الأصقاع الشمالية القارسة البرودة.. فهناك خطوات سياسية دبلوماسية لا تلبث تحذر من تطور المواقف والأوضاع إلى حد تتحول معه البرودة القارسة إلى سخونة اللهيب.

وليس بالوسع في هذا المضمار أن نتجاهل مثلا ما جاء في مقدمة كتبها قائد عسكري كبير تصديرا لكتاب مهم صادر عن المعهد الملكي البريطاني لدراسات الدفاع والأمن في لندن.. وجاء في المقدمة المذكورة ما يلي: صحيح أن المنازعات في الشمال مازالت تعالج بأسلوب سلمي في الوقت الحالي.. ولكن تغير المناخ يمكن أن يغير أبعاد هذه المعادلة على مدار السنوات القادمة إلى سباق يلهث تحت إغراء استغلال الموارد الطبيعية التي تصبح أيسر إتاحة وأكثر منالا.

هذه التحذيرات من مغبة ما قد يقع ويؤثر على أحوال عالمنا تزداد أهميتها ومن ثم جدية ما تذهب إليه عندما تعلم أن صاحبها ليس مجرد عسكري محنك محترف ولكنه شخصيا- هو الأميرال «جيمس ستافريديس» الذي مازال يحمل صفة القائد الأعلى لقوات حلف الأطلسي في أوروبا.

المصدر: محمد الخولي

البيان الاماراتية



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أوقات الصلاة
الفجر 05:25
الظهر 12:24
العصر 03:36
المغرب 06:02
العشاء 07:24