"الكيمتريل القاتل".. هل حقا تقوم الحكومات برش مواطنيها بالسموم عبر الطائرات؟
"الكيمتريل القاتل".. هل حقا تقوم الحكومات برش مواطنيها بالسموم عبر الطائرات؟

الإثنين | 27/03/2023 - 10:30 صباحاً

كان ذلك تصريحا في شهر يناير/كانون الثاني الماضي لعلياء جاد، وهي طبيبة مصرية اشتهرت منذ سنوات بتقديم معلومات طبية للجمهور تخص الصحة الجنسية، ثم بعد ذلك تحولت بشكل مفاجئ إلى دعم نظريات المؤامرة بكل أشكالها، إلى جانب العلوم الزائفة المتمحورة حول العلاج بالطاقة، لكن أكثر النظريات ترددا في تصريحاتها كانت عادة عن الكيمتريل.

 

ولا يتعلق الأمر بها وحدها، فالغالبية العظمى من منظري المؤامرة العرب يتحدثون عن الكيمتريل بكثافة حاليا، ما نقل الأمر إلى وسائل التواصل الاجتماعي بالتبعية. تفترض نظرية الكيمتريل (1) أن مسارات البخار الكثيف البيضاء التي تخلفها الطائرات على ارتفاعات عالية ليست بخار ماء، وإنما هي "مسارات كيميائية" تتكون من مركبات كيميائية أو بيولوجية تم رشها لأغراض حربية ضد المواطنين العاديين.

 

حسنا، أنت تعرف تلك الأغراض دون أن نخبرك: تعديل الطقس والتلاعب النفسي بالأفراد، والأهم على الإطلاق والأكثر رواجا؛ القول إن هذه المواد هي سموم لقتل البشر ببطء أو على الأقل منع الحمل أو خفض الخصوبة، لغرض رئيسي وهو التحكم في أعداد البشر وإرجاعها إلى نحو مليار فرد، بحيث يمكن بسهولة لمجموعة من الأشرار ذوي الشعر الأشعث التحكم في العالم كله.

 

فتش عن الولايات المتحدة

LONDON, ENGLAND - MARCH 20: A protester with a flare poses holding a sign calling for people to "wake up" during a "World Wide Rally For Freedom" protest on March 20, 2021 in London, England. "World Wide Rally For Freedom" protests, with apparent links to the QAnon conspiracy-theory movement, are being held in cities across the globe this weekend, decrying both pandemic-era lockdown measures and covid-19 vaccination campaigns. Police warned protesters in London ahead of this weekend's event that they face arrest under public-health laws preventing more than two people from different households from mixing. (Photo by Hollie Adams/Getty Images)

خلال السنوات الثلاث السابقة وجدت الكيمتريل رواجا شديدا بين منظري المؤامرة لتفسير انتشار وباء "كوفيد-19". (غيتي)

بدأ الحديث عن الكيمتريل في أواخر التسعينيات، وكالعادة فإن مصدر الحكاية الرئيسي كان الولايات المتحدة الأميركية، بعد نشر تقرير للقوات الجوية الأميركية عام 1996 حول إمكانيات تعديل الطقس، وهناك بالفعل تقنيات تجريبية في هذا النطاق، فخرجت بعض الأصوات التي تتهم الحكومة برش سكان الولايات المتحدة بمواد غامضة من الطائرات.

 

تطور الأمر عاما بعد عام ليصل إلى القول إن الذيل الدخاني الخارج من الطائرات هو الكيمتريل، وخاصة الأنماط "غير العادية" من هذا الدخان، كأن يبقى الدخان مثلا في السماء لوقت طويل يتعدى الساعات بعد مرور الطائرة، أو ينتفخ في الحجم ليشبه السحب أو يتقطّع ويتخذ أشكالا متنوعة، ويدعي هؤلاء أن ذلك لم يحدث إلا في التسعينيات فقط، بعد بدء المشروع الأميركي المزعوم، وهذه هي الحجة المركزية لنظرية الكيمتريل.

 

مع ظهور وانتشار الإنترنت الشعبي، ازدهرت النظرية (2) على المنتديات وروج لها مقدم برنامج مؤامرة أميركي شهير يسمى "أرت بيل"، الأمر الذي ساعد بداية من سنة 1999 على انتشارها بين صحفيي المؤامرة وبرامج الراديو الأميركي، ودفع الجهات الحكومية الأميركية للرد، لكنَّ المؤمنين بالنظرية فسروا هذا على أنه محاولة للتستر، وما زادهم ذلك إلا اقتناعا بأن هناك شيئا ما غريبا يحدث.

 

خلال السنوات الثلاث السابقة وجدت الكيمتريل رواجا شديدا بين منظري المؤامرة لتفسير انتشار وباء "كوفيد-19″، كان التفسير الذي جنح إليه هؤلاء ببساطة هو أن جهة ما ألقت الوباء على الناس من الجو، في الواقع كان هذا منتشرا لدرجة أن فريقا من الباحثين الإندونيسيين نشروا مقالا بحثيا (3) في دورية "جورنال أوف بابليك هيلث" (Journal of public health)، في مارس/آذار 2023 الحالي، لفحص ظاهرة انتشرت في إندونيسيا، وتتعلق بقناعة لدى كثير من المواطنين أن الحكومة "ترش" شيئا ما عليهم يتسبب في (أو يطيل الإصابة بـ"كوفيد-19″).

 

كان ذلك نقطة انطلاق جديدة للنظرية كي تجد عددا أكبر من المؤمنين، وحاليا بينما تتصاعد الصراعات في أوكرانيا وتتجهز الصين ربما لحرب جديدة في تايوان، إلى جانب التوتر الشديد الظاهر حول قضايا التغير المناخي وتلوث البيئة، بدا وكأن نظرية الكيمتريل قد وجدت ضالتها تماما: مجموعة من الأشرار يجهزون العالم للمعركة النهائية، كي يسيطروا عليه. تويتر وتلغرام تحديدا كانا أكبر موضعين لانتشار النظرية.

 

ليست إلا خرافة

أجمع علماء دراسة أجرتها جامعة هارفارد أن ادعاءات الكيمتريل هي محض خرافة لا أصل لها من الصحة.

أجمع علماء دراسة أجرتها جامعة هارفارد أن ادعاءات الكيمتريل هي محض خرافة لا أصل لها من الصحة. (شترستوك)

الغريب في الأمر أن فكرة ذيل الطائرة الدخاني يمكن تفسيرها ببساطة، في يوم بارد جدا تتبع أنفاسك في الهواء، هل تلاحظ ذلك؟ الهواء يخرج من فمك كالبخار، وهذا لأنك تُخرج الكثير من بخار الماء مع كل نفس، الطقس البارد بالخارج يكثفه فيبدو واضحا كالدخان.

 

الطائرات تفعل الشيء نفسه، فمحركاتها تحرق الوقود وتطلق العادم المحمل ببخار الماء بشكل أساسي، ومعه بقايا العادم وهي مركبات تحتوي على الكربون والنيتروجين وثاني أكسيد الكربون التي تتحد مع البخار وتكثفه بسبب الهواء البارد خارج الطائرة، ليصبح قطعا ثلجية صغيرة. إذا كانت الرطوبة مرتفعة، فإن هذه البقايا تظل في السماء لفترة طويلة، ومع الوقت تتحول إلى سحب رقيقة ومنفصلة وشبيهة بالشعر، ومع تغير درجات الرطوبة تتغير أشكالها ومدة بقائها.

 

إلى جانب ذلك كله فإن ادعاءات الكيمتريل عادة ما تقول إن التسعينيات شهدت بداية إطلاق هذه المادة، لكن الأرصاد القديمة للطائرات أثناء الحرب العالمية الثانية تشير إلى أن تلك الخطوط الدخانية التي تخلفها كانت تبقى في السماء لساعات طويلة كذلك.

 

في الواقع، انتشرت نظرية الكيمتريل لدرجة أن الأمر استدعى عمل دراسة استقصائية (4) لعلماء الغلاف الجوي الرائدين في العالم، الذين رفضوا بشكل قاطع وجود برنامج رش سري تحت هذا الوصف، استندت النتائج التي توصلت إليها الدراسة إلى مسح لمجموعتين من الخبراء: كيميائيو الغلاف الجوي المتخصصون في مسارات التكثيف، وعلماء الجيوكيمياء الذين يعملون على نطاقات ترسيب الغلاف الجوي للغبار والتلوث.

 

أظهرت نتائج المسح أن 76 من 77 عالما مشاركا قالوا إنهم لم يجدوا دليلا على وجود برنامج لنشر مادة سرية في الهواء، ويوافقون على أن الأدلة المزعومة التي استشهد بها الأفراد الذين يعتقدون بالكيمتريل يمكن تفسيرها من خلال عوامل أخرى. جامعة هارفارد قامت ببحث شبيه (5) وكان إجماع علمائها بالكامل على أن ادعاءات الكيمتريل هي محض خرافة لا أصل لها من الصحة.

 

ما الذي يدفعهم إلى ذلك؟

A woman attends a protest of conspiracy theorists and other demonstrators at Rosa Luxemburg Platz, amid the spread of the coronavirus disease (COVID-19), in Berlin, Germany May 9, 2020. REUTERS/Christian Mang

يميل بعض الناس إلى الفكر المؤامراتي، فيشعرون دائما أن هناك خطة للسيطرة عليهم، ويجمعون قطوف القصص من هنا وهناك لجمع سردية واحدة متكاملة. (رويترز)

ولكن رغم الدلائل القاطعة ضد الكيمتريل، فإنك ستُفاجأ من قدر انتشار النظرية، فقد وجدت دراسة (6) أُجريت عام 2011 على أشخاص من الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة أن 2.6% من الناس الذي شملتهم العينة يؤمنون تماما بنظرية المؤامرة، و14% يصدقونها جزئيا، وفي 2017 أشارت ورقة بحثية في دورية "نيتشر" (7) إلى تصاعد واضح في نسب المؤمنين بهذه النظرية، حيث أعلن نحو 10% من الأميركيين عن إيمانهم التام بالنظرية، ولكن الأغرب هي نسبة مَن قالوا إنها صحيحة إلى حدٍّ ما، التي وصلت إلى 30%.

 

في الوطن العربي، لا نمتلك إحصائيات واضحة للقناعات بالنظرية، لكنَّ بحثا بسيطا على مجموعات فيسبوك وقنوات يوتيوب سيعطيك إشارة إلى أنها منتشرة بوضوح، ملايين المشاهدات وآلاف إلى عشرات الآلاف من المتابعين، بل ويصل الأمر إلى نشر فيديوهات لتصوير السماء من كل مكان.

 

نعرف أن الإيمان بنظريات المؤامرة الخرافية من هذا النوع يرتبط بعدد من العوامل، بعضها يتعلق بالفرد ذاته، حيث يميل بعض الناس إلى الفكر المؤامراتي، فيشعرون دائما أن هناك خطة للسيطرة عليهم، ويجمعون قطوف القصص من هنا وهناك لجمع سردية واحدة متكاملة، وهنا تحديدا تختلف نظريات المؤامرة الخرافية عن المؤامرات الحقيقية، فالأخيرة عادة تتضمن علاقات بين أشياء يمكن أن تكون مرتبطة بالفعل، مثلا شركة أدوية تتآمر لتمرير موافقة على عقار ما، في هذا النوع من المؤامرات عادة ما ستلتقي برجل من شركة الأدوية وضابط مُرتشٍ وموظف قانوني في وزارة الصحة، ويمكن كذلك أن تجد نائبا في مجلس الشيوخ يدعم هذه الشركة. أما في المؤامرات الخرافية فإن نقاط المؤامرة عادة ما تكون بعيدة عن بعضها بعضا؛ مطعم بيتزا في نيويورك وتمثال غريب الشكل في محافظة الجيزة المصرية وثلاثة مبانٍ في نيودلهي تصنع معا شكل قرن الشيطان، وبائع حلوى في الكونغرس ومحامين ورجال دولة وممثلين وسياسيين قد يكونون أصلا من دول لها عداوة سياسية مع بعضها بعضا.

 

من جانبه، يرى يواكيم ألغاير، أستاذ التواصل العلمي والإعلام بجامعة فولدا الألمانية، أن هناك دوافع تتعلق بالمصالح الشخصية لهؤلاء الذين يروجون مؤامرة كيمتريل، فبحسب استقصاء (8) أجراه حول الأمر، فإن بعض مشاهير المؤامرة قد خصصوا للكيمتريل عملا بدوام كامل، ويحصلون على مقابل مادي من تبرعات المؤمنين بنظرية المؤامرة، بالإضافة إلى مبيعات بعض الأدوات (أشياء لمواجهة هجوم الكيمتريل مثل الفحم الذي أشارت إليه جاد)، والكتب وكذلك مشاهدات يوتيوب وأجر المشاركة في البرامج التلفزيونية.

 

دين جديد

Penitents of "Dulce Nombre" brotherhood take part in a procession in the rain during Holy Week in Malaga, southern Spain, March 20, 2016. The graffiti on the wall reads, "Chemtrails. They fumigate us". REUTERS/Jon Nazca

مؤيدي نظريات المؤامرة الخرافية يميلون لاتباع حركات دينية زائفة مثل "العصر الجديد" و"الفكر الجديد". (الكتابة على الجدران "كيمتريل.. إنهم يدخنوننا"). (رويترز)

من الملاحظ أن منظري مؤامرة الكيمتريل يصفون تجربتهم في بعض الأحيان بأنها أقرب إلى تجربة التحول الديني (9)، تلك الحالة التي يكون فيها شخص ما غافلا عن الحقيقة ثم يستيقظ فجأة ويرى كل شيء بوضوح، وكأنها "رسالة" أرسلت إليه. يتسبب هذا "الإيمان الجديد" في مشكلات تتعدى الفرد ذاته في بعض الأحيان، حيث يحضر بعضهم مؤتمرات المناخ مثلا ويرسل تهديدات إلى الأكاديميين العاملين في هذا النطاق!

 

وعموما، فإن تجربة "التحول الديني" تحضر في أدبيات نظرية المؤامرة المعاصرة، خذ كيو أنون (10) على سبيل المثال، وهي نظرية مؤامرة ظهرت على الإنترنت في أكتوبر/تشرين الأول 2017 تقول إن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب يخوض حربا داخلية للإيقاع بطائفة شيطانية تُدير البلاد من خلف الستار وتريد التحكُّم في العالم أجمع. اعتمدت هذه النظرية بالكامل على مفهوم "الصحوة الكبرى"، وهو استحضار للصحوة الدينية المسيحية التاريخية الشهيرة من أوائل القرن الثامن عشر إلى أواخر القرن العشرين في الولايات المتحدة. وعموما فإن مؤيدي نظريات المؤامرة الخرافية يميلون لاتباع حركات دينية زائفة مثل "العصر الجديد" و"الفكر الجديد".

 

في كل الأحوال، فإننا في العالم العربي نتأثر كما يبدو بسهولة بهذه النظريات، ليس فقط بسبب "عقدة الخواجة" التي تجعل أي شخص يتحدث الإنجليزية يبدو وكأنه خبير إستراتيجي أو علمي ما، ولكن أيضا لأن نظريات المؤامرة لا تجد أرضية أفضل للانتشار من حالات التشتت المجتمعي، والاضطرابات السياسية والاقتصادية، وجميعها للأسف حاضرة بقوة في مجتمعاتنا، تلك الأوقات التي يفقد الناس فيها إيمانهم بالمفاهيم الكبرى التي بُنيت عليها حياتهم مثل العلم والسياسة وحتى الدين نفسه في بعض الأحيان.

————————————————————————————————————-

المصادر

1- Hot topic: should I worry about chemtrails?

2- CON-trary to What You Have Heard, Chemtrails Aren’t Real

3- Chemtrails in the skies of Indonesia: are they conspiracies to cause prolonged COVID-19?

4- Quantifying expert consensus against the existence of a secret, large-scale atmospheric spraying program

5- Chemtrails Conspiracy Theory

6- Public understanding of solar radiation management

7- Solar geoengineering and the chemtrails conspiracy on social media

8- Why do people believe conspiracy theories?

9- Climates of suspicion: ‘chemtrail’ conspiracy narratives and the international politics of geoengineering

10- "الباحثون عن النبي المخلِّص".. لماذا يعتقد منظرو المؤامرة أن نهاية العالم اقتربت؟

المصدر : الجزيرة



التعليـــقات 
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر طقس فلسطين

النشرة الجوية
جاري التحميل ..
أحدث الاخبار
أوقات الصلاة
الفجر 03:54
الظهر 12:42
العصر 04:23
المغرب 07:50
العشاء 09:30